الهروب إلى الأمام

المقال يعبر عن رأي الكاتب ولايعبر بالضرورة عن رأي فلسطين 24
2019-11-24 11:03:30
بقلم: عبدالله السناوي

من تبعات الاعتراف الأمريكي بالمستوطنات «الإسرائيلية» تقويض أي رهان على أية أدوار وساطة يمكن أن تضطلع بها الإدارة الأمريكية وموت «صفقة القرن» بالسكتة التاريخية.

التصعيد العسكري والسياسي في أية أزمة لا يرادف بالضرورة شعوراً فائضاً بالقوة، أو تخطيطاً استراتيجياً محكماً بقدر ما قد يعكس أحياناً هروباً للأمام من أزمات داخلية مستحكمة.

ما يحدث الآن من تصعيد وتغول على القضية الفلسطينية، ممتداً إلى ما حولها، هو انعكاس مباشر لأزمة رجلين تستنزف الأزمات الداخلية أعصابهما وتهددهما في مصيرهما.

لا يمكن قراءة دوافع وتداعيات التصعيد السياسي والعسكري الجاري الآن على الساحة الفلسطينية وما حولها بعيداً عن أزمتي الرئيس الأمريكي «دونالد ترامب» ورئيس حكومة تصريف الأعمال «الإسرائيلية» بنيامين نتنياهو المتفاقمتين.

لا يوجد تفسير آخر متماسك ومقنع من حيث التوقيت لما أقدمت عليه إدارة «ترامب» من اعتراف بالمستوطنات «الإسرائيلية» في الضفة الغربية المحتلة، أو من أنها لا تنتهك القانون الدولي، كما صرح وزير خارجيتها «مايك بومبيو»!

التصريح بذاته يدخل في سياق قرارات مماثلة تستخف بالقانون الدولي وتقوض أي حديث عن أية تسوية سياسية محتملة، مثل الاعتراف بالقدس عاصمة ل«إسرائيل» ونقل السفارة الأمريكية إليها، كما الاعتراف بضم الجولان السوري المحتل للدولة العبرية.

التصريح بأثره لا تترتب عليه أية شرعية دولية، ولا أية شرعية من أي نوع باستثناء شرعية القوة وفرض الأمر الواقع.

مجلس الأمن كله باستثناء الولايات المتحدة رفض شرعنة الاستيطان، لكنه فشل في استصدار بيان يدين ما أقدمت عليه الإدارة الأمريكية. بل إن دولة مثل «لوكسمبورج» دعت الاتحاد الأوروبي إلى الاعتراف بالدولة الفلسطينية رداً على الاعتراف الأمريكي بالمستوطنات.
خطورة هذا الاعتراف أنه يكرس ما يسميه الرئيس الأمريكي «سلام القوة»، بغض النظر عن القوانين الدولية وإرادة المجتمع الدولي.

وهذا مشروع صدامات ومواجهات واسعة لا مفر من حدوثها، فلكل فعل رد فعل يساويه في القوة ويضاده في الاتجاه، كما تقول قوانين الفيزياء.

من تبعات الاعتراف الأمريكي بالمستوطنات «الإسرائيلية» تقويض أي رهان على أية أدوار وساطة يمكن أن تضطلع بها الإدارة الأمريكية وموت «صفقة القرن» بالسكتة التاريخية.

دواعي إدارة «ترامب» للإقدام الآن على هذه الخطوة تعود بالمقام الأول إلى محاولة استرضاء قاعدته الانتخابية من الإنجيليين المتعصبين، الأكثر يمينية من اليمين «الإسرائيلي» نفسه، فيما يتعرض لأزمة حادة قد تعرضه للعزل من منصبه على خلفية «فضيحة أوكرانيا»، حيث استخدم صلاحيات منصبه لمصالح شخصية انتخابية.

جلسات مجلس النواب المطولة، المنقولة على الهواء مباشرة إلى كل بيت أمريكي، التي تستجوب شهود الواقعة تكاد أن تكون قد استنزفت أعصاب الرئيس الأمريكي بالكامل، الذي أفلتت عباراته وتعبيراته عن كل قيد، مصوراً ما يحدث ب«المؤامرة» لمحاولة «الانقلاب عليه».

المقاربة نفسها، احتذاها رئيس حكومة تصريف الأعمال في «إسرائيل»، الذي تلاحقه لائحة اتهام رسمية بالفساد والاحتيال وخيانة الأمانة من المدعي العام، فما يحدث معه محاولة «انقلاب» كما قال بالحرف!

من دواعيه للهروب إلى الأمام بالتصعيد العسكري في غزة وما حولها في سوريا، خشيته من المحاكمة الجنائية المحتملة.

بدا الاعتراف الأمريكي بشرعية المستوطنات كهدية جديدة ل«نتنياهو» في وقت حرج، تدعم مركزه في أية انتخابات ثالثة للكنيست بعد أن فشلت الأحزاب والقوائم «الإسرائيلية» لمرتين في تشكيل حكومة جديدة.

لا شيء بالمجان في مثل هذا النوع من الهدايا. «ترامب» ينتظر بالمقابل دعماً مماثلاً من اللوبيات اليهودية داخل الكونجرس باعتباره أكثر الرؤساء الأمريكيين دعماً ل«إسرائيل» في التاريخ.

أوضاع التأزم رتبت سجالات داخلية في إسرائيل شككت في دوافع «نتنياهو» في التصعيد العسكري مع غزة وجدوى الطريقة التي يدير بها ملفات الأمن «الإسرائيلي».

بترتيب الأولويات الأمنية فإن غزة أولاً والضفة الغربية ثانياً ولبنان ثالثاً وسوريا رابعاً وإيران خامساً بحسب محلل عسكري «إسرائيلي».

المشكلة الأمنية في غزة، بحسب أغلب المحللين العسكريين «الإسرائيليين»، لم تعد تتلخص في تنظيم واحد هو «حماس»، فقد تمكن تنظيم أصغر «الجهاد الإسلامي» بالصواريخ التي أطلقها رداً على استهداف حياة اثنين من قياداته من إحداث شلل في نصف «إسرائيل»، أو أن يجعلها «تقف على رجل واحدة».

هناك تخوف من حرب رابعة في غزة، التي شهدت ثلاث عمليات عسكرية كبيرة أعوام (2008) و(2012) و(2014) بلا استراتيجية واضحة وبلا قدرة على ردع المقاومة، أو التصدي لصواريخها التي تطورت بصورة لافتة في الآونة الأخيرة.

الأسوأ أن الوضع في الضفة الغربية قابل للاشتعال والانفجار في وجه «إسرائيل» التي لا تتوقف عن مداهمات البيوت واعتقال النشطاء الفلسطينيين.

جاءت الغارات الواسعة على دمشق لتعمق الشعور بالأزمة داخل «إسرائيل». ترددت ذريعتان للغارات الأخيرة - الرد على إطلاق صواريخ من سوريا باتجاه «إسرائيل»، واستهداف تمركزات عسكرية إيرانية بالقرب من حدود الكيان.

رغم ما تؤكده «إسرائيل» باستمرار من استهداف المواقع الإيرانية، إلا أنها تؤكد مرة بعد أخرى على لسان كبار جنرالاتها، أنها لا تسعى لأي صدام واسع مع إيران. قواعد الاشتباك «الإسرائيلية» تلخصها فكرة الردع دون التورط، وهذه لعبة لا تملك حساباتها وحدها.

هناك من يخشى في «إسرائيل» أن تفلت اللعبة فتجد نفسها تحت قصف آلاف الصواريخ من منصات إقليمية متعددة، بالإضافة إلى غزة، وهو ما لا طاقة لها به بالنظر إلى الانكشاف الذي تبدّى في مواجهة محدودة مع تنظيم فلسطيني واحد داخل قطاع محاصر.

بأية قراءة موضوعية لحصاد التصعيد العسكري والسياسي الجاري، فإن «إسرائيل» ليست قوية إلى حد الافتراء ونحن لسنا ضعفاء إلى حد الخنوع.