في صمود الأردن رغم الحرائق

المقال يعبر عن رأي الكاتب ولايعبر بالضرورة عن رأي فلسطين 24
2019-12-01 10:16:48
بقلم: مهند مبيضين

أن يقول ملك الأردن، عبدالله الثاني، أمام معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى في نيويورك قبل أيام، إن العلاقة الأردنية مع إسرائيل "في أدنى مستوياتها" فهذا جزء من جملة الرسائل الأردنية تجاه دولة الاحتلال أخيرا، والتي سبقها الإصرار الأردني على عدم تجديد تأجير أراضي منطقتي الغمر والباقورة. وقبلها الموقف من الإجراءات الإسرائيلية في القدس، والاعتراف الأميركي بالمدينة عاصمة للدولة العبرية، ورفض صفقة القرن، وكل هذا جزء من جهد طويل للعاهل الأردني في مسار القضية الفلسطينية، ورفض أي ثمنٍ في مقابل تنازله عن هذه المواقف.

وأن يشارك ولي العهد الأردني، الأمير حسين بن عبدالله الثاني، في احتفال ذكرى استشهاد رئيس وزراء الأردن وصفي التل، مع جمعٍ من الأردنيين، فلهذا معنى في سياق الموقف العام وتطوير المشهد الداخلي الوطني الأردني، بابراز الأمير الشاب في جملة مواقف ومشاهد وطنية عديدة، سبقها تذكير الملك الأب عبدالله الثاني في معهد واشنطن بأنه يستلهم التقاليد الملكية التي ورثها من أبيه الحسين بن طلال، والتي تحتم أن يكون الملك ممثلاً للكل، وضابطا للتوازن.
هي المؤسسة الملكية الهاشمية تعيد اليوم للجميع التذكير بأن الأردن لم يتغير كثيراً منذ نشأ قبل مائة عام باسم حكومة "الشرق العربي"، فجمع الكل في بوتقة البناء الوطني، في وقت كان الأردن ولا يزال في نظر بعضهم ممن لا يحبونه نتاج مؤامرة سايكس بيكو التي خَطّت كامل حدود الهلال الخصيب. ولا تلقى دول المنطقة التي نشأت مع الأردن التهم والشك كما يلقى الأردن حتى اليوم، ممن يستكثرون على هذا البلد الصغير، والفقير بموارده، بقاءه مستقراً، وفيه من الاستقرار السياسي المقبول، على الرغم مما لفّ المنطقة من حرائق واضطراب.

جرّب الحكم الهاشمي في الأردن خياراته في بلدين عربيين قبل الأردن، سورية والعراق، وخسر الهاشميون عرشين، مرة بتآمرٍ مع سلطات الانتداب الفرنسي في دمشق، وثانية بعد انقلاب دموي في العراق. وبين محطة سورية والعراق قامت محطة هاشمية صغيرة هي الأردن، ما لبثت أن تحوّلت إلى قطار ضمّ كل أحرار العرب الذين وفدوا إلى الأردن، وصار منهم قائد الجيش ورئيس الحكومة والوزير، وجاءت إليه هجرات مهولة، تفوق عدد سكانه عدة مرات، فالبلد الذي كان عدد سكانه نحو مائتي ألف نسمة عام 1920 صار عام 1990 نحو أربعة ملايين ونصف المليون، ويتجاوز اليوم العدد عشرة ملايين، وهذه زيادة غير طبيعية.

وقد حكم الهاشميون الأردن بعقلانية ورحابة صدر، حتى مع ألدّ خصومهم، ورحّب بهم الأردنيون بما لهم من شيم أصيلة، في بلدٍ توجهات أهله عروبية، وقامت على أرضه أهم ممالك العرب القديمة العرب، الأنباط. ويغضب الأردنيون لأجل موريتانيا كما يغضبون لأجل أي مدينة أردنية أو عربية في فلسطين، ويتشكّل الرأي العام الأردني بسرعةٍ مهولة، ويؤثر الأردن في الفضاء الافتراضي اليوم بشكل كبير، ويصدر منه محتوى معرفي عربي كبير، على الرغم من عدد سكانه القليل نسبة لغيره، وقد أقر البرلمان فيه قانون حماية اللغة العربية.

اتجه الأردن إلى بناء الإنسان، وما زالت شعارا حاضرا جملة الراحل الملك الحسين التي قالها ذات خطاب بعد لقائه بزعيم عربي: "الإنسان أغلى ما نملك". وهكذا كان الاستثمار الأردني في المورد البشري، وما زال مستمراً مع الملك عبدالله الثاني الذي قلده معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى في نيويورك أخيرا جائزة باسم "رجل الدولة - الباحث" لعام 2019.

وفي الأردن اليوم عشرات الجامعات والكليات الجامعية، ونحو ثمانية آلاف مدرسة، ونقابة معلمين عريضة، تُضرب وتعود، ونقابات أخرى فاعلة في المشهد السياسي، تختبر كل يوم صمود هذا البلد ومنعته، بقوة منتسبيها، الملتزمين بمهنهم، والناشطين في السياسة إلى حدّ التطرف أحياناً. وفي الأردن قطاع صحي ممتلئ بالخبرات والقدرات، ويعالج مجاناً عربا وغير عرب كثيرين في أرضه، وتوقّع مئات من الإعفاءات الطبية في دار رئاسة الوزراء يوميا لباكستانيين وغزيّين وشوام وعراقيين وغيرهم، وتنهض بذلك مستشفيات الحكومة، والجيش عبر مؤسسة الخدمات الطبية الملكية. وعلى مقاعد الدراسة اليوم أكثر من مائة وخمسين ألف طالب سوري، هم ضحايا زمن دولتهم الراهن.
وفي الأردن مجتمع حيوي، وقيادة عاقلة، ودوماً كان الأردن في عين الإعصار، وقد يخسر ولا يسأل عن الربح، لكنه ينهج النهج المعتدل. والملك عبدالله الثاني يواجه تحدّياتٍ كثيرة، لكنه عسكري عنيد في قضايا السيادة والأمن والقدس، كما تبّدت مواقفه أخيرا ضد صفقة القرن واسترداد أراضي الباقورة والغمر، من دون بهرجة وادعاء.

صار الأردن بلد التقدّم، وصارت البلاد التي حملت شعار التقدمية، ونعتت الأردن بالرجعية، مناخاً خصباً للاستبداد والفوضى، ولم يكن الأردن سعيداً بذلك، ولم يكن في منأى يوماً عن الخصوم والإكراهات المحيطة به. ومع ذلك، لم يخسر الأردن داخلياً إلا حين كان يُغلب المصالح العربية على مصالحه الوطنية، وذلك ما حدث في 1967 و1990. وفي كل مرة يولد الأردن من ضعفه مُكنة وريادة غريبة في عبور الأعاصير.
تحول الأردن في زمن إلى صراع نضالي فلسطيني، واجتهد في عبور أزماته، وبقيت الدولة، وظلت فلسطين بوصلةً لا تغادر عقل الشعب والقيادة، والكتلة التي تشكلت من الأردنيين والفلسطينين معاً وبنت البلاد هي الأكثر تجانساً بين شعوب المنطقة والدول العربية، فلا طائفية في الأردن، ولا محاصصات، ولا جغرافيا مستقلة داخل الدولة.

لطالما كانت الجغرافيا عقدة الوطن الصغير حجماً، لكنه الوطن الذي مرّت عليه جيوش الفاتحين، ومن أرضه قاد صلاح الدين مشروعه التحرّري، ومن بوابة جنوبه عبر فيصل بن الحسين إلى دمشق، وحين انكسر حلم العروبة بعد ميسلون 1920، وقامت ثورات في المنطقة في العراق 1920، وثورة جبل العرب وجبل العلويين وجبل عامل، كانت ثورة الأردن مغايرة، بالتركيز على بناء دولة، اشترك بها الاستقلالي العربي وشيخ القبيلة الأردنية والضابط الدرزي والشركسي والشامي والشنقيطي والمغربي والليبي والفلسطيني، وكانت هناك معارضة وطنية عربية دائمة ضد الانتداب وضد بلفور ووعده اللعين، وحين قامت ثورة 1936 في فلسطين هبّ البدو في شرق الأردن لنصره أهلهم، وفي 1948 سطّر الجيش العربي الأقل عُدّة وعتاداً أفضل صور الصمود في باب الواد واللطرون.

يُقبل الأردن اليوم على عبور مئويته الأولى، وفيه كثير من الإنجاز، والبنية التحتية، والمؤسسات المستقرّة. ويتفوق الأردنيون على كل العرب في الثقة في مؤسساتهم الأمنية، حسب المؤشر العربي الذي ينجزه سنويا المركز العربي للأبحاث ودراسات السياسات، لأن هذه المؤسسة محترمة، وغير موغلة بالدم والتعذيب، وليس ذلك السلوك من عقيدتها أو أخلاقياتها. وفي الأردن، مع كل تلك الثقة، غضب جماهيري ضد الفساد، وضعف حكومات وصعوبة في أحوال المعيشة وتدبير القوت، مع نسب مرتفعة في الفقر والبطالة، وضعف النخب السياسية.

كيف استمر الأردن في غضون قرن؟ وكيف بقي، وقد كان دوما تحت الوعد والوعيد؟ وكيف بنيت الدولة بموارد بسيطة؟ هذا ما يجب أن يكون مدار البحث عند الباحثين في العام المقبل.