لا دين في السياسة

المقال يعبر عن رأي الكاتب ولايعبر بالضرورة عن رأي فلسطين 24
2019-12-11 12:25:42
بقلم: أحمد مصطفى

أظهر أحدث استطلاع لقياس الرأي في العالم العربي أجرته «آراب باروميتر» تراجع ثقة الجماهير العربية في الأحزاب، خاصة ذات الصبغة الدينية، بأكثر من الثلث في السنوات الأخيرة. والمقارنة هنا مع استطلاع المؤسسة عام 2011 حين بدأت موجة الاحتجاجات الجماهيرية في عدد من الدول العربية.

وعلى مدى هذا العقد تدهورت الثقة في الأحزاب في الدول العربية حتى أصبحت لا تزيد على 15 في المئة في المتوسط، مع تباين بين الدول العربية. فعلى سبيل المثال تراجعت نسبة من لا يثقون في الأحزاب السياسية في العراق من 78 في المئة في 2011 إلى 51 في المئة في الاستطلاع الأخير. يتسق ذلك مع ما نراه من شعارات يرفعها العراقيون في الأسابيع الأخيرة في احتجاجاتهم بالعاصمة بغداد وغيرها رفضاً للدين والطائفية في السياسة. وهي الشعارات نفسها التي ترفع في لبنان كذلك حالياً.

وحسب الاستطلاع الذي نشرت مجلة «الإيكونوميست» ملخصاً له، تراجعت ثقة الجماهير العربية في الأحزاب ذات الصبغة الدينية من 35 في المئة عام 2013 إلى 20 في المئة فقط. حتى ثقة الجماهير في الزعامات الدينية تراجعت في كثير من الدول العربية، من 51 في المئة في 2013 إلى 40 في المئة في 2018 موعد الاستطلاع الأخير.

وبينما لم تتغير النسبة كثيراً في مصر، حيث تدور حول 20 في المئة يثقون في الأحزاب ذات الصبغة الدينية، هوت بشدة في بلد مثل الجزائر من نحو نصف المستطلعة آراؤهم إلى أقل من 20 في المئة يثقون في الأحزاب ذات الصبغة الدينية. كذلك الحال مع العراق. وفي مرتبة تالية تأتي تونس والأردن إذا بلغت نسبة التراجع النصف تقريباً.

أما من ناحية ثقة الجماهير في الزعامات الدينية فيأتي العراق في مقدمة الدول العربية تليه ليبيا التي هوت فيها ثقة الجماهير في زعاماتها الدينية إلى أقل من 20 في المئة، مع أن المتوسط للبلدان العربية عموماً هو 40 في المئة.

«الإيكونوميست» تركت الاستخلاص من نتائج الاستطلاع للقارئ، وهو ببساطة أن المنطقة التي بدت منذ سبعينات القرن الماضي وهي تتحول بشدة نحو «الدين في السياسة» أخذت في التراجع عن هذا المنحى مع مطلع العقد الثاني من القرن الحالي.

قد يبدو التراجع في ثقة الجماهير العربية في الأحزاب السياسية متسقاً مع نسق عام في العالم لتراجع الثقة في الديمقراطية الغربية كنموذج تمثيل سياسي، لكن الفارق في نسب التدهور كبير في العالم العربي وفي السنوات القليلة الأخيرة. كما أن الحكمة التقليدية السائدة لدى المحللين وصانعي القرار في الغرب أن «الأحزاب الدينية» في الدول العربية تحظى بشعبية كبيرة بشكل عام. وهو تصور كان دوماً محل جدل، لكنه في السنوات العشر الأخيرة دحضه الواقع تماماً. في نهاية القرن الماضي ومطلع القرن الحالي حيث بدا للكثيرين أن القرن الحادي والعشرين هو «قرن الدين»، ليس لانتشار ملامح التدين الظاهري في كثير من المجتمعات المسلمة وزيادة ظاهرة الجماعات المتطرفة العقائدية في الديمقراطيات الغربية (Cults)، ولا حتى نتيجة بروز دور «جماعات» على حساب «دول». فانهيار الاتحاد السوفييتي السابق ونهاية الحرب الباردة اعتبرت نهاية عصر الأيديولوجيات، لكن ذلك كان يعني اضمحلال الشيوعية مع زيادة سطوة الرأسمالية عالمياً.

ولأن الصراع ضرورة بشرية وحافز أساسي للتطور والتقدم فسيكون بديل الأيديولوجيا هو «الدين»، أو على الأقل رأى بعض المفكرين ذلك. وكانت تلك بداية الخلط الذي يعزز المزيج الخطر: الدين في السياسة. صحيح أن هناك عوامل ذاتية كثيرة تتعلق بمنطقتنا جعلت هذا المزيج يتحول إلى قنابل متفجرة في أنحاء منها إلا أن السياق العالمي كان أيضاً محفزاً مهماً لهذا التطور.

أما الآن، أو تحديداً منذ بدأت الولايات المتحدة استراتيجية «فك ارتباط» مع المنطقة منذ الفترة الرئاسية الثانية للرئيس السابق جورج دبليو بوش دون أن يملأ أي «خارج» هذا الفراغ، فلم يعد الحافز الخارجي بذات القوة التي كان عليها منذ سبعينات القرن الماضي وحتى نهاية القرن. وكبر الجيل الجديد الذي لم يتأثر كثيراً بالحرب الباردة ولا بصراع الأيديولوجيات، وبالتالي لا حاجة له للجوء للدين السياسي لسد فراغ أيديولوجي. هذا الجيل هو الذي يرفع في السنوات الأخيرة شعار «لا دين في السياسة» وهو الكفيل بتخليص المنطقة من هذا المزيج شديد الخطورة