15 ديسمبر 2019

عفواً أيها الفساد

عفواً أيها الفساد

قبل أيام أعلنت مؤسسة أمان في فلسطين، عن التقرير والذي صدر عن منظمة الشفافية الدولية حول الفساد في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وإحتلت فلسطين المرتبة الثانية عربياً من حيث الفساد بحسب التقرير، ويبدو أن التقرير كان صادماً بالنسبة لهيئة مكافحة الفساد الفلسطينية، ولذلك شككت في موضوعية التقرير وقالت عنه إنه تقريراً إنطباعياً ولا يعكس الواقع ! ويبدو أن هيئة مكافحة الفساد لا تريد أن تظهر عاجزة أمام الرأي العام، وأن قدراتها الذاتية أصغر بكثير من كمية الفساد الموجودة في فلسطين، ولذلك وصفت التقرير على العكس تماماً، عندما قالت أنه إنطباعي وليس واقعي ! ومع العلم أن التقرير واقعي وليس إنطباعي،  بدليل أن الرأي العام الفلسطيني دائماً يعبر عن كمية الفساد الموجودة في فلسطين، سواء في حديث الشارع، أو في منصات التواصل الإجتماعي، أو في حديثه عبر وسائل الإعلام الرسمية، وللعلم فإن إنطباع الدول العربية والأجنبية عن فلسطين، وخاصة الدول البعيدة عن دائرة الصراع والغير منحازة، بأن فلسطين دولة ثورية السلوك بسبب أنها تحت الإحتلال، وأنها مشغولة بقضايا النضال والكفاح والتحرر، وأنها أبعد ما يكون عن الفساد بسبب أنها محكومة للقوانين الثورية، بالإضافة الى أنها ذات ثقافة قبلية تحكمها العادات والتقاليد، وهذا الإنطباع عن فلسطين والذي وصل الى الخارج، كان بفضل وسائل إعلامنا والتي تعمل بصبغة ثورية أيضاً، وتنقل الأحداث وكأن الكل الفلسطيني في خندق واحد، وهذا جيد، وحتى الإنقسام الفلسطيني الفلسطيني والتي يتصدر الصحف المحلية والعربية، لم ينقل الصورة كاملة للخارج، لأنه يعبر فقط عن الفساد السياسي للأحزاب السيادية، ولا يعبر عن الفساد المجتمعي والتي تطرقت إليه منظمة الشفافية الدولية في تقريرها، ولهذا فإنني أكرر بالقول بأن هيئة مكافحة الفساد الفلسطينية، عكست الوصف تماماً عندما قالت أن التقرير إنطباعياً ولا يعكس الواقع .

 

بدون مجاملات، فعندما يتحول الفساد في فلسطين الى ثقافة عامة، وسلوك روتيني،  فهنا الكارثة، لأن الفساد سيتحول الى مفخرة وإنجاز، فمثلاً، لو قام طبيب في مستشفى بحجز غرفة العمليات لصديقه أو لقريبه في أقرب وقت ممكن، وذلك على حساب مريض آخر له الأولوية بإجراء عملية، حينها سيفتخر هذا الطبيب بأن له إتصالات ونفوذ في المستشفى، وفي مثال آخر، فلو قام أحد موظفين المعابر بالتنسيق لصديقه أو لقريبه للسفر، وذلك على حساب شخص آخر بحاجة الى السفر، حينها سيفتخر هذا الموظف بأن له إتصالات ونفوذ ، وفي مثال آخر، فلو قام أحد المسئولين في الدولة بتوظيف قريبه أو صديقه والغير كفؤ، على حساب شخص كفؤ، حينها سيفتخر هذا المسئول بأن له إتصالات ونفوذ... ولسبب ما ذكرت، فعلينا أن نقول للفساد، عفواً أيها الفساد، كنا نعتقد أنك جزءاً من مجتمعنا، ولكن مجتمعنا هو جزء منك، عفواً أيها الفساد .

 

مهمة القضاء على الفساد ستكون صعبة لو نظرنا للكم، لأن الفساد بالجملة، فهو سياسي وقانوني وديني وإجتماعي، ولكن لو نظرنا للكيف، فالمهمة ستكون سهلة، فالكيف تتطلب منا فهم شيئين مهمين للغاية، الشيئ الأول هو فهم وتطبيق حديث الرسول صلى الله عليه وسلم "كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته"، والشيئ الثاني هو فهم معنى "الولاية الكبرى والولاية الصغرى"، وبدون الدخول للشرح فقهياً، سأشرح الموضوع بكل بساطة وبطريقة التسلسل، وكالتالي : مهمة المجلس التشريعي أن يحاسب الحكومة، ومن ثم رئيس الوزراء يحاسب الوزير، ومن ثم الوزير يحاسب وكيل الوزارة، ومن ثم وكيل الوزارة يحاسب المدير العام، ومن ثم المدير العام يحاسب مدير الدائرة، ومن ثم مدير الدائرة يحاسب مدير القسم، ومن ثم مدير القسم يحاسب الموظف، ومن ثم الموظف يحاسب الفراش، ومن ثم الفراش يحاسب المجلس التشريعي بعد أربعة سنوات بصفته مصدر للسلطات، وهكذا تكون إكتملت الدائرة في المحاسبة، وهكذا لم يسطيع أي موظف في الدولة وبالشراكة مع المواطن، أن يفتخر بأن له نفوذ وإتصالات عندما يقدم مصلحة مواطن على حساب مواطن آخر، لأنهما سيكونا ضمن دائرة المحاسبة .