12 يناير 2020

الكلّ أبطال والعرب ضحايا

الكلّ أبطال والعرب ضحايا

انتهي العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين (2010 - 2019)، بعد أن شهد محاولة هبّة شعبية عارمة للإصلاح، في العالم العربي، انتهت إلى ما نعرفه جميعا: ديمقراطيات هشة، انبعاث الاستبداد في شكل انتقال ديمقراطي ومشاريع للتضحية بالدولة أو ما اصطلح على تسميته مجازا "الثورات المضادة" لينطلق العقد الثالث (2020 - 2029) بظاهرة لها صلة ببطولة خارج الفضاء العربي وبضحية مختارة، بعناية، اسمها العرب، ولو توسّعنا، قليلا، يمكن أن تشمل المسلمين، بل تشملهم، يقينا، في كلّ مكان بصورةٍ تحمل مخيّلة العنف والإرهاب.

لا يمكننا، هنا، الحديث عن صورة سوداوية، لكنّه الواقع الماثل، أمامنا، بكل مآسيه، يلعب فيه الجميع، فاعلون إقليميون ودوليون، دور البطولة، ونتردّى نحن، بكلّ بساطة، إلى لعب دور الضّحية في مشاهد نجترّ فيها الهزيمة والفشل والتردّي المهين بفعل تضافر عاملي الوهن الداخلي بدافع الاستبداد والوهن الإقليمي والدولي بدافع عدم إيلاء الآخرين الاهتمام لمواقفنا وآرائنا.

لنمسك بالمشهد، من بدايته، حتى نرى السيناريو في أبهى (أتعس) صوره: تمدّد إيراني يصل في أقلّ من 16 سنة، بين تاريخ الغزو الأميركي للعراق (2003) وقتل قاسم سليماني (بداية 2020)، إلى عواصم أربع دول عربية، بل يتّخذ، في علامة بارزة على تحكّمه بالوضع تمام التحكم، أرضا عربية، هي العراق، مسرحا للتدافع مع أميركا، بعد أن أنهى ذلك في عواصم ثلاثة من قبل: صنعاء (اليمن)، دمشق (سورية) وبيروت (لبنان).

تمدّد تركي، وإن بصورة مختلفة، له قواعد في العراق (سنجر)، سورية (الشمال) وليبيا التي يحضّر لنشر قواته فيها دفاعا على خريطة جغرافية أكبر، تشمل شرق المتوسط وفضاء طاقويا يمتدّ من سيبيريا (باشتراك تركيا في خط أنابيب غاز روسي) إلى عمق أوروبا، ويحتاج للتعزيز باكتشافات جديدة يسارع إلى الحفاظ على ما تختزنه بالاتفاقات، حينا، وبالقوة، أحيانا أخرى، على غرار ما فعله عندما نشر قواته للتنقيب عن الغاز في المنطقة الاقتصادية الخالصة لجزيرة قبرص، في جانبها التركي الذي تعترف به وحدها، على المستوى الدولي، منذ عقود.
تمدّد صهيوني على طول، بل عرض، الخريطة المتحدث عنها، حيث تضرب طائرات إسرائيل الحربية من تريد، وقت ما تشاء بدون رادع، بل وصلت إلى عقد اتفاقاتٍ تورّد من خلالها الغاز إلى أكثر من دولة عربية (الأردن ومصر) تتفّق على حصتها من طاقات شرق المتوسط مع فاعلين مهمّشين، حقا، جزيرة قبرص واليونان الضعيفة، بفعل أزمتها الاقتصادية المالية منذ قرابة عقد.

هي ثلاثة تمدّدات، وإن حملت أهدافا إستراتيجية مختلفة، من حيث الأثر والتداعيات، لكنها تمدّدات انطلقت من مشاريع بناء قوة، وفرض واقعها في فضاء جغرافي اختارته، بعناية، وهو الأرض العربية، بكل ما تحمله هذه من هوان وضعف وفشل.

لماذا نحن ضحايا؟ هذا سؤال ليس محيّرا، في الحقيقة، بفعل ما تم ذكره وما يتّصل، أيضا، بالواقع المرير الذي نعيشه، والذي تمثّل تفكّك الدّولة الوطنية، وفشل مشاريع بنائها في العالم العربي، إلى درجة أنها أصبحت الضحية المثلى لكل تلك التمدّدات، ولأن الطبيعة تخشى الفراغ، فان غياب مشاريع بناء القوة، فرديا وجماعيا، كان المرض العضال الذي أضحت به الدول العربية موضعا لتلك المشاريع المتفقة، يقينا، والمتناقضة على ما تريده من الأرض العربية، لأن القائمة، قائمة بنك تلك الأهداف، بلغة الإعلاميين، هذه الأيام، ليس لها حصر، ولكنها موجزة في أن للتمدد موضوعا، وللضحية عنوانا.

للمشهد ما يحزن، فعلا، عندما ترى كيف أن العالم، كله، يترقب بنك أهداف إيران، وقت الردّة العسكرية والمقاربة التفاوضية لإنجاز ذلك. كما يحزن، أيضا، أن ترى تحرّكات صهيونية في شرق المتوسط، لاحتواء الخطر التركي الداهم، وفق ما يرون، في حين أن ما نراه، في عالمنا العربي، هو محاولات للإجابة عن سؤال محوري: مع من سنصطف؟ ما هي التداعيات علينا؟ كيف يمكننا احتواء الوضع لتبقى المعطيات، معطيات الحفاظ على الهوان والفشل، على ما هي عليه، وعلى كل المستويات، حتى وإن ألبسناه لبس التحرّك الدبلوماسي، زعما.

طبعا، لا يمكننا أن نلوم المرشد الإيراني خامنئي ولا الرئيس التركي، أردوغان، ولا حتى نتنياهو على ما يقومون به من نصرة (وتقوية) مشاريع استراتيجية تفيد تمدّدات بلدانهم، وتجلب النصرة لهم ولحلفائهم، بل اللوم، كل اللوم، على الفشل والهوان الذي نراه ماثلا يتمدّد، يتسع ليصبح مرتكزا في أشكال تمثله صور نعيشها في أجسام أولئك الممسوخين هوياتيا وثقافيا، ليبرروا ذلك الفشل من أمثال السوري محمد شحرور، والجزائري كمال داود، أو غيرهما من المهزومين، والذين يتمدّد، من خلالهم، الهوان، حق التمدّد، لأنّه يخرج من عباءة التمدد الثقافي الذي يغزو العقل، ويحاول إعادة تشكيل العقل، بما يخدم، بصفة عامة، مشاريع تلك التمددات.

أصبح الحديث، إن انطلق وارتفع صوته، عندنا، حول أحقية فكرةٍ ممسوخةٍ في الوصول إلى الحكم، والتشبّث به، مع منع من يدعو إلى التغيير، لإحداث العروج الحضاري، حيث تخصص الساعات الطوال لتمجيد هذا، والحط من شأن ذاك، والتركيز على ما يقطع ولا يوصل، ما يفرّق ولا يجمع، الفروع لا الأصول، بل والإجماع على أن تلك أم المعارك، الحضارية، للتقدّم، ولبناء مشروع التمدّن، كما زعموا.

هل يمكن القول إن الحراكين، في لبنان والعراق ضحية جانبية أخرى لكل هذه التمدّدات غير العربية؟ بعيدا عن نظرية المؤامرة، هل يمكن الجزم أنه ليس ثمّة نية مبيته لتزامن قتل سليماني، زعيم الثورة المضادة في أكثر من عاصمة عربية لصالح المشروع الإيراني، مع استمرار الضغط من الشارعين، العراقي واللبناني، المخترقيْن أصلا، بقصد صنع مشهد للتغيير تكون ضحيته آلية ذلك التمدد هي اللعب على وتر الانتماء الطائفي، الداء العضال، بامتداداته المختلفة، المتسبّب في غياب/ تغييب مشاريع الانبعاث الحقيقية.

طبعا، مرّة أخرى، لو استدرنا صوب غرب المتوسط، فانّ المشهد ذاته هو الأصل، حيث اللعب على وتر خلافات هوياتية، لا توجد أصلا بفعل الانصهار الاجتماعي بين فئاتٍ تتعايش في سلام منذ آلاف السنين، حيث التممدّات الاستراتيجية لإدامة الفشل وصوره، وإبعاد النظر عن مشاريع يمكنها إنقاذنا من التشرذم الحقيقي.

لا يقترح صاحب المقالة هنا مخرجا، ولن يرسم سيناريو الانبعاث، لأن هذا السيناريو واضح المعالم، ويحتاج إلى إرادة جديدة تنبعث في روح الأمة، إرادة تطرح جانبا الهوان، وتصنع الحياة. .. هم أبطال، ونحن، جميعا، ضحايا. نعم، هي الحقيقة التي يجب أن نردّدها، مرارا وتكرارا، حتى ترسخ في أذهاننا، وتدفعنا إلى رسم غد أفضل ينبعث من دواخلنا، نحن وليس غيرنا.