مـاذا لـو اسـتـمـرت "الـكـورونـا"؟

المقال يعبر عن رأي الكاتب ولايعبر بالضرورة عن رأي فلسطين 24
2020-02-24 14:23:22
بقلم: عبد الغني سلامة

ظهر فيروس كورونا في إقليم ووهان وسط الصين مع بدايات العام الحالي 2020، ومن حينها أصاب عشرات الآلاف وتسبّب بوفاة نحو 2% من المصابين، وينتمي هذا الفيروس لعائلة معروفة بتأثيرها على الإنسان والحيوان تسمى «كورونا فيريدي»، اكتشفت أول مرة العام 1960، وتضم هذه العائلة فيروس SARS، الذي ظهر في الصين أيضاً سنة 2002، وأصاب أكثر من 8 آلاف شخص، توفي منهم نحو 900 (بنسبة وفاة 10%) وفيروس MERS، الذي ظهر في السعودية سنة 2012، وأصاب أكثر من 700 شخص، توفي منهم أكثر من 300 (بنسبة وفاة 50%).
تسبّب «الكورونا المستجدة» حمى والتهاب الجهاز التنفسي، وقد تسبّب الوفاة، وإلى الآن لا يوجد لها علاج، ولكن من يتمتعون بصحة جيدة، ومناعة قوية يتعافون منها، وبينت دراسة متخصصة أن غالبية المصابين هم من تزيد أعمارهم على الأربعين عاماً، بينما الأطفال فوق الخمس سنوات والشبان هم الأقل عرضة للإصابة، بسبب مناعتهم المحفزة لمقاومة الفيروسات. ينتقل الفيروس من شخص لآخر أثناء فترة حضانته (1 - 14 يوماً)، أي قبل ظهور أعراض المرض، ما يجعل احتواءه أكثر صعوبة، مقارنة بفيروس سارس، أو فيروس إيبولا، حيث إن المصابين بهما ينقلون المرض بعد ظهور أعراضه، لذا فمن السهل الحد من تلك الأوبئة من خلال تحديد المصابين وعزلهم ومراقبة كل من احتك بهم. ومع ذلك، يمكن للإجراءات الوقائية أن توقف انتقال عدوى كورونا بنسبة 60%، وبالتالي يمكن حصر الوباء، ولكن هذا يحتاج وقتاً طويلاً.
وتبذل الصين جهوداً جبارة في سبيل احتوائه، مثل بناء مستشفيات ضخمة، وتخصيص مراكز عزل وحجر صحي، وتوفير كل مستلزمات الوقاية، وتوزيع الكمامات على السكان، وعزل مناطق كاملة، أو حتى فرض ما يشبه حظر التجول، وتعقيم الشوارع والمرافق العامة، والسيطرة على الإعلام، لمنع نشر الرعب والشائعات.. ولولا تلك الإجراءات لانتشر الوباء بصورة كارثية.. ولحسن الحظ أن الوباء لم يضرب دولاً ذات تعداد سكاني ضخم، مثل الهند (أكثر من مليار إنسان)، والتي تفتقر لآليات الضبط والسيطرة على السكان، وفيها عشوائيات ومناطق مزدحمة جداً، وفقيرة جداً، وحيث تعيش بين الناس أنواع عديدة من الحيوانات.. أو دولاً تفتقر للتجهيزات الطبية والبنية التحتية الصحية، وفيها تعداد سكاني هائل، مثل نيجيريا، أو أثيوبيا، أو باكستان، أو غيرها.
خطورة هذا الفيروس تكمن في سرعة انتشاره، وصعوبة السيطرة عليه، فهو لم يعد في الصين وحدها، إذ بدأ يغزو بلداناً جديدة في مختلف القارات. وبالإضافة إلى مخاطره الصحية، فإن الوباء تسبب بخسائر اقتصادية كبيرة لدول عديدة قبل أن يغزوها، خاصة دول شرق آسيا عموماً، والتي تعتمد كثيراً على السياحة. في تلك البلدان تبدو الصورة مفزعة وحزينة: فنادق فارغة، شواطئ مهجورة، وحجوزات ملغاة، بعد أن كانت تعج بالسياح. إضافة إلى خسائر شركات الطيران الدولية، وقد بلغت الخسائر بعد أسابيع قليلة من ظهور الفيروس مليارات الدولارات، وهذه الخسائر مرشحة للزيادة إذا لم يتمكن العالم من وضع حد لانتشاره، وإيجاد لقاح للقضاء عليه.
في القريب العاجل (إذا استمر الوباء لا سمح الله)، فإن المشاكل الاقتصادية والاجتماعية والقلاقل الأمنية ستبدأ بالظهور في مختلف دول العالم، ولو أخذنا أبسط مثال للأشياء المرتبطة بالمرض مثل «الكمامات»، سنتوقع إقبالاً غير مسبوق على شرائها بشكل يفوق كثيراً حجم المتوفر منها، ولذلك، ستبدأ الشركات المتخصصة بإنتاج مليارات الكمامات لسد احتياجات الطلب المتزايد عليها، ما يعني زيادة كبيرة على أسعارها، واستغلال تلك الشركات الاحتكارية، لدرجة أن دولاً عديدة ستغدو رهينة لتلك الشركات، خاصة تحت إلحاح شعوبها لتوفيرها، ومعروف أن الكمامة تستخدم لمرة واحدة، أو لمرات قليلة فقط، وبالتالي يتوجب تبديلها باستمرار، ما يضاعف حجم الطلب عليها بصورة مطردة.
وقد تستغل الشركات الدوائية الكبرى حالة الرعب العالمي، لتسويق لقاحات وأدوية ومطهرات ومعدات مرتبطة بالوباء، لن تكون متوفرة سوى للأغنياء، ليترك الفقراء في مواجهة مصيرهم، أو أمام حالة الرعب التي ستجتاح المجتمعات.
حتى اللحظة، لا أحد يعلم مصدر الوباء وسببه الحقيقي، البعض يقول: إن أميركا اختلقت الفيروس، لضرب اقتصاد الصين! والبعض يقول: إن الفيروس تسلل بالخطأ من إحدى المختبرات الصينية! وآخرون يزعمون أن الصين تعمدت اختلاق الأزمة لأهداف اقتصادية، منها شراء الشركات الأجنبية العاملة في الصين بأسعار زهيدة! وتلك المزاعم تحتاج لأدلة وبراهين ومعلومات مؤكدة، علماً أن الصين لم تتهم أي طرف حتى الآن.
لنفي نظرية المؤامرة، وتفنيد المغالطات التي تخلط بين السبب والنتيجة، يمكن القول: إن أميركا (وجهات أخرى) استغلت الأزمة الصينية، وبدأت بالتهويل وبث الذعر على مستوى العالم، لتعميق عزلة الصين، كما أن الصين حاولت قدر المستطاع تحويل أزمتها إلى فرصة، من خلال شراء أصول الشركات الأجنبية التي تستثمر في الصين، لتعويض جزء من خسائرها.
لكن المؤكد أن الصين تلقت ضربة قوية، ستعيق نموها الاقتصادي، ربما لسنوات عديدة، مع أنها لم تصرح بحجم خسائرها، إلا أنها قد تبلغ عشرات المليارات. وهذه الخسائر ستؤثر سلباً على اقتصاديات كل العالم تقريباً، حيث إن الصين الدولة الأولى عالمياً في التصدير، وهي أكبر شريك تجاري لمعظم دول العالم، ومنتجاتها تفيد بشكل خاص الطبقات الفقيرة، فمن المتوقع أن تستغل الشركات الرأسمالية (الأميركية بالذات) عزلة الصين، لطرح منتجاتها في الأسواق بأسعار مرتفعة، قبل أن تستعيد الصين عافيتها من جديد. والمتضرر الأكبر من ذلك هم فقراء العالم، فضلاً عن إلغاء ملايين العقود لتجار ومستثمرين كانت مبرمة مع الصين قبل الأزمة.
نتمنى السلامة للشعب الصيني، ولكافة الشعوب.