عندما ضاقت الأرض بما رحُبت

المقال يعبر عن رأي الكاتب ولايعبر بالضرورة عن رأي فلسطين 24
2020-03-21 15:04:18
بقلم: صلاح هنية

كنا نجلس معا ولا شأن لنا إلا تحديد مواعيد رحلة بعد رحلة هنا لعمل، وهناك ساعات استراحة وترفيه بعد الإرهاق ... كان التمايز بين الناس أنني أستطيع أن أكون في حيفا أو يافا والقدس متناسياً أن هناك من أمضى عقدين من عمره لم يزرها .... كنا نركض ما بين اجتماع وآخر نلهث لنكون على الموعد تماماً، ومرات نمر مر الكرام على هذا الاجتماع لنقول ها نحن معكم في طريقنا الى اجتماع آخر ... كنا نحتاج أن نرصد مواعيد المؤتمرات والاجتماعات الدولية والعربية والإسلامية لننظم أجندة لقاء في رام الله يتطلب وجود مسؤول.
اليوم ضاقت الأرض بما رحبت بسبب «كورونا» وبات محيطنا الضيق هو فضاءنا الرحب، لم يعد هناك من يتحدث عن الإضافات بمركبته، ولا يناكف بشأن امتياز حصل عليه موظف زميل ...
اليوم الأمور ضاقت، فلم تعد المسؤولية والمواقع امتيازاً، بل باتت على المحك، وليست بحاجة الى صفحة على مواقع التواصل الاجتماعي لإبراز قدرات ليست حاضرة أمامنا، لم تعد المسؤولية امتيازاً بل معيارَ عمل ومحكاً للقدرة على الأداء في زمن كورونا ...
لم يعد بإمكان أي كان تسليك الأمور ما بعد كورونا كما هو قبل، فالمطلوب لكفاءة المنتجات والخدمات في المواصفات والفحوصات المخبرية لا مجال فيه لمنح فرص، بل فقط هو إما صالح أو غير صالح، وبات الامر معلناً وليس مخفياً، لم يعد بالإمكان ان تمر مر الكرام قضية التلاعب بأسعار السلع الأساسية ولا التلاعب بالموازين والمكاييل، فالمحتكر ملعون.
بات اليوم ما بعد الكورونا السؤال ملحاً وحاضراً بقوة حول أولويات المسؤولية الاجتماعية، كم غرفةً إضافية نحتاجها في القطاع الصحي؟ وعليه قِس من حيث غرف العمليات والتجهيزات الطبية ومراكز علاج السرطان وجاهزيتنا لمواجهة الأوبئة التي ظننا أنها باتت وراء ظهورنا، ولم نمتلك الجرأة لتوجيه المسؤولية الاجتماعية وعمل الخير، ونحن الآن نقف عاجزين أمام الفيروس على مستوى العالم، هل باتت الصورة واضحة وأن أحداً لم يكن يقلل من شأن التبرع باتجاه واحد فقط على حساب القطاع الصحي، وماذا عن الذين خافوا وأخافوا الناس من محطة لتدوير النفايات اليوم، ماذا سيقولون لمن تولوا قيادتهم للرفض.
اليوم ضاقت الأرض بما رحُبت وانعزل العالم وتأثرت التجارة الدولية، ولم يعد موضوعنا للتندر بأن شجعوا منتجات وزراعة فلسطين، عزِّزوا الاستثمارات في فلسطين، حيث وقفنا عاجزين لفترة عن توفير الكمامات، ولكن هناك من بادر للاستثمار، تُرى لو كان الأمر سابقاً للفيروس وقبل ان تضيق الأرض، كيف سيكون حالنا؟ للأسف انشغلنا بمعاتبة بعضنا البعض والهجوم على بعضنا البعض، ولم نحسن صنعاً أن نوفر مصنعاً صغيراً للكمامات أو الملابس الواقية أو المعقمات، اليوم بتنا أمام متغير أساسي ينقل كل قطاعاتنا الى مربع آخر جديد مختلف تماماً، ليس كما هو قبل «كورونا» ولم تعد الفهلوة والاستعراض يفيدان شيئاً.
ضاقت الأرض بما رحبت، ولم يكن أياً كان يتخيل ان تعلق الصلوات في المساجد وتعلق العمرة، والحج قد يؤجل (الله أعلم) ولم نتخيل هذا الأمر يوماً ما، حتى في الحروب كانت الناس لا تتخيل هذا الأمر، اليوم تعطلت مظاهر الحياة الطبيعية، وبتنا كلنا وكل العالم سواء في مواجهة هذا الفيروس.
اليوم تظهر معادن الناس الذين يتكافلون ويسندون الضعيف فينا، اليوم لم يعد مجدياً استعادة الشكل التقليدي للتكافل والتضامن الاجتماعي. بات ملحاً مأسسة هذا الأمر عبر وزارة التنمية الاجتماعية وليس عبر مظاهر تقليدية كانت تنفع ما قبل الكورونا. اليوم قد يسبب الشكل التقليدي عدم عدالة واستعراض غير مبرر، اليوم بات ملحاً السؤال عن دور المؤسسات الطبية غير الحكومية وكذا الاجتماعية.
بات ملحاً أن نسأل ما هو دور النقابات العمالية؟ هل هو فقط تحصيل نصف راتب للعمال في القطاع الخاص؟ وتخرج علينا الشركات الكبرى لتعلن أنها لن تدفع نصف راتب بل ستدفع الراتب كاملاً وتراعي الأمهات.  وهل دور النقابات التبرع برواتب الموظفين لصالح الطوارئ في زمن الكورونا؟ هذا زمن انقضى، وهناك مقدرات أخرى يجب أن ينظر لها.
باتت ملحة مسألة البنوك بخصوص تطبيق تعليمات سلطة النقد، بحيث تسعى لتحميل متلقي الخدمة أعباء مضاعفة نتيجة تأجيل دفع أقساط القروض، وإذا كان كذلك في زمن الكورونا فمتى إذاً!!!!