23 مارس 2020

أسـبـوعـان حـاسـمـان

أسـبـوعـان حـاسـمـان

أعلن رئيس الوزراء عن الإجراءات الجديدة ومن بينها المنع التام والشامل للتنقُّل بدءاً من الساعة العاشرة من مساء الأمس.
ترافق الإعلان عن هذه الإجراءات مع إجراءات مشددة من قبل دولة الاحتلال بخصوص كل المعابر والحواجز مع الضفة والقطاع، في حين كان إغلاق الجسور قد سبق هذه الإجراءات بعدة أيام.
ماذا يعني ذلك عملياً؟
هذا يعني الحقائق التالية:
أولاً: تكاد العدوى القادمة من الخارج أن تصل إلى درجة الصفر، إذا ما تم ضبط كامل للعمل في المستوطنات، وإذا ما تم الضبط المطلوب لحركة العمال في الداخل ذهاباً وإياباً، وهو ما بات ممكناً ومتاحاً إلى درجة عالية.
ثانياً: إذا بقيت معدلات ظهور الإصابات من بين مجموع من هم تحت الحجر والمراقبة قائمة كما هي (وهي معدلات تقلّ عن 5% حتى الآن)، وإذا ما بقيت معدلات الفحص بالوتيرة القائمة في ضوء ملاحقة المخالطين للحالات القديمة المستجدة فإن تفشي الفيروس في فلسطين سيظل تحت السيطرة، ويكون ممكناً ومتاحاً حصاره وإطباق الخناق عليه.
ثالثاً: لم يكن من كبير الفائدة الإعلان عن الإجراءات التي أعلن عنها رئيس الوزراء دون أن تكون دولة الاحتلال قد اتخذت القرارات الضرورية بالإغلاق، ودون أن تكون الجسور قد أغلقت بالكامل، ولهذا بالذات فإن معدلات التزايد والانتشار بدءاً من هذا اليوم هي المؤشرات القياسية الأهم، والأكثر دلالة والأصدق لجهة التوقعات، وكافة الإحصاءات الواقعية، وتلك التي تتحول إلى قاعدة بيانات أساسية لاتخاذ القرارات المطلوبة، وللسياسات المطلوبة، وكذلك للتعديلات المناسبة بالمعنى التفصيلي للكلمة.
هذا يعني باختصار وتكثيف أن سياسة الحكومة الفلسطينية تثبت من جديد أنها تنطلق من معرفة عالية بالواقع، وأنها تأخذ قراراتها في ضوء متابعة علمية حثيثة لمسار تطور الانتشار في فلسطين والمحيط.
رابعاً: هناك (من الزاوية العلمية الإحصائية) مجال لأن تختلف هذه المعدلات سلباً (أي بزيادة الحالات وسرعة الانتشار) في الحالات المحددة التالية:
أ ـ إذا تبين أن قطاع غزة ليس محصّناً ولا حصيناً داخل القطاع، وإذا ما تبين أن هناك إصابات قد دخلت إلى القطاع قبل أكثر من سبعة أو ثمانية أيام، لأن هذه الإمكانية واردة، ولا يمكن القطع بعدم إمكانية حصولها، حتى لو حاولت أجهزة حركة حماس «تأكيد» نفيها.
ب ـ ليس لدينا (بحدود ما أعرف) إحصائيات دقيقة عن الذين دخلوا عن طريق المعبرين قبل قرار الحجر الذي بدأ تطبيقه على القادمين إليهما، ولا حتى إحصائيات دقيقة عن دقة إجراءات الفحص إن تمّت، أو لنقل إن المعطيات حولها تحتاج إلى درجة أعلى من الإحاطة والتدقيق.
جـ ـ هذا يعني ببساطة أن ظهور حالات داخل القطاع مازال ممكناً من هنا وحتى عشرة أيام قادمة.
منظمة الصحة العالمية، ومنظمات صحية دولية أخرى ليست مطمئنة إلى درجة الاطمئنان الذي تعبّر عنه أجهزة حركة حماس، وهي تعبّر عن قلقها الخاص والشديد بسبب حالة الاكتظاظ، والافتقاد إلى الكثير من مقومات البنية الصحية.
ستكون أكبر بشرى سارة فعلاً إذا بقي القطاع (من داخله) خالياً من الفيروس، لكن الركون إلى ذلك ليس هو الموقف السليم.
هنا أعتقد أن رئاسة الحكومة ووزارة الصحة مطالبتان بأن تجهزا خطة طوارئ خاصة بقطاع غزة في إطار جملة من السيناريوهات العلمية المعمول بها في علوم التخطيط.
خامساً: بعد عشرة أيام من اليوم، سنكون قد حصرنا بالكامل بؤرة «قراوة» وبؤرة «شقبا» وسيكون بإمكاننا أن نتحدث عن سير عملية محاصرة الفيروس بهما.
وهنا، أي بعد مرور هذه الأيام العشرة، سيبدو كل شيء تحت السيطرة إذا لم نفاجأ بأخبار سيئة من غزة، وإذا لم تظهر بؤر جديدة، وهذا ما نأمله ونتمنّاه. لهذا فإن الإغلاق التام، ومنع التجوُّل والتنقُّل لمدة أسبوعين كاملين سيكون لهما أكبر الأثر في النجاح التام، وفي محاصرة الخطر على طريق الانتصار عليه.
سيكون لفلسطين شأن آخر إذا استطاعت أن تتجاوز هذه الحرب المحتدمة في كل مكان من الكوكب، وستصبح فلسطين واحدة من الدول الكبرى في نظر العالم وضميره، وستعلو إلى عنان السماء في نظر الفلسطينيين أولاً وقبل كل شيء وقبل كل أحد.
وإذا كان مهماً لأي دولة الانتصار على هذا الخطر باعتباره خطراً يهدد أمن وسلامة المجتمعات، فإن للانتصار الفلسطيني إضافة إلى ذلك من حسن الطالع، ومن التفوق الأخلاقي، ومن معاني الإعجاز والصمود ما يوازي أكبر عبور فلسطيني في التاريخ الحديث.