25 مارس 2020

السياسي الذي أنقذته الكورونا!

السياسي الذي أنقذته الكورونا!

الكاتب: د. صبري صيدم

أكاد أزعم أن فيروس كورونا اللعين، أنقذ عشرات الرؤساء ورؤساء الحكومات من حبل المشنقة السياسية. فمنهم من أوشك على مواجهة غليان شعبي، ومنهم من أفلس سياسياً وبرامجياً، ومنهم من أغدق على الناس بوعودٍ براقة دونما نتائج، ومنهم أيضاً من أوشكت الديمقراطية على الإطاحة به، لكنه يبحث في كل ثغرات القوانين وبطون الكتب ليبقى متسيداً على رقاب الناس.
وأمام كل الكوارث التي ارتكبها هؤلاء، جاء فيروس كورونا اللعين، الذي تخشاه البشرية، ليكون بمثابة الفيروس الحميد لهؤلاء، كيف لا وقد ساهم الأخير في تأمين استدامة الكرسي، ولو لحين لهؤلاء.
نجا هؤلاء الزعماء باقتدار، والناجي الحتمي من الفيروس هو بنيامين نتنياهو، الذي لم ينفع معه ست جولات من التحقيق الشرطي أو القضائي، أو حتى ثلاث جولات من الانتحاب البرلمانية في عام واحد، أو حتى تحقيق طال زوجته وفي عدة مناسبات. رجل لطالما أشبع الكون بالحديث عن ديمقراطية دولته المزعومة، دولة الاحتلال، التي لا حدود لها، والتي ما زال برلمانها يتباهى بما كتب على مدخله: دولة إسرائيل من الفرات إلى النيل ، بل إن الرجل مستمر في صولاته وجولاته، ليتنمر على العالم العربي ليتهمه بالاستبداد وكبت الحريات وانعدام الديمقراطية.
اليوم وبعد كل ما جرى ويجري على المشهد السياسي الإسرائيلي، فإن إمبراطور السياسة الإسرائيلية هو آخر من يستحق أن يتحدث عن الديمقراطية واحترام رغبات الناخبين وتداول السلطات. نتنياهولا تعنيه الديمقراطية والدولة اليوم، بل يعنيه أن لا يخرج من البيت إلى السجن كسابقيه من أمثال إيهود أولمرت وموشي كتساف والقائمة تطول. هو يبحث بامتياز عن طوق نجاة يقيه من كآبة السجن، لدرجة أنه سيقبل لقاء خروجه من السياسة بأي معادلة تؤمن له ولأسرته خروجاً آمناً، من دون حساب أو عقاب.
سبب كل هذا الكلام أن نتنياهو الذي يأس من احتمالية منحه عفواً رئاسياً من رئيس دولة الاحتلال رؤوفين ريفلن، تلقى مؤخراً طعنة كبيرة في الظهر من ريفلين ذاته، الذي اقتنع بوجود تحالف كاف لخصم نتنياهو بيني غانتس، فمنحه كتاب التكليف بتشكيل الحكومة الإسرائيلية المقبلة، وهو ما كان بمثابة الطامة الكبرى، التي لم يستطع نتنياهو التعايش معها، رغم تظاهره بعكس ذلك في اللقاء الأخير الذي جمعه مع يريفلن وغانتس في مقر رؤساء إسرائيل، فما كان منه إلا أن احتمى بفيروس كورونا. وعليه قام نتنياهو بفرض حالة الطوارئ، وتعليق عمل المحاكم والاستفادة من علاقته المتميزة مع رئيس الكنيست الحالي يولي إيدليشتن، الذي خلق الذرائع المختلفة لإغلاق الكنيست، ورفض الدعوات المتكررة لعقد أي جلسة تذكر متحججاً بفيروس كورونا.
إذن الذكاء والدهاء والقدر وفيروس كورونا اجتمعت جميعها لإنقاذ الإمبراطور المثخن، حتى لو إلى حين لينطبق عليه المثل العربي الشهير: مصائب قوم ٍ عند قوم ٍ فوائدُ .
إننا على أعتاب نكبات اقتصادية هائلة وكساد عالمي ودخول أعضاء جدد إلى نادي العالم الثالث
ظاهرة نتنياهو وتمسكه بالكرسي وملذات السلطة باتت ظاهرة تستحق التدريس في مدارس السياسة العالمية، ليس لإنسانية الرجل المعدومة، ولا لحكمه الذي شهد حلقات من القتل والبطش والحروب، بل لقدرته الخارقة على ارتكاب الموبقات والجرائم من جهة، والتمكن من أن يكون رجل السياسة الأقوى والأوحد، من جهة أخرى، واستطاعته أن يستمر في الحديث عن الديمقراطية والحكم الرشيد. نتنياهو الظاهرة بات مخضرماً، إذ تمكن من قبل أن يهرب من القصاص، رغم إدانته في تسعينيات القرن الماضي، بتلقي هداياً وامتيازات خارج القانون، ورغم اتهام زوجته بالترف والبذخ والتجبر والتسلط، بصورة دفعت الطاهي المؤتمن في منزلها أن يخرج عن صمته، ويحدث المجتمع الإسرائيلي عن تصرفاتها، وبشاعة خلقها.
مهما كانت الأمور فإن حال العالم بأسره لن يكون ما بعد كارثة كورونا، كما كان قبلها، إذ إننا على أعتاب نكبات اقتصادية هائلة وكساد عالمي ودخول أعضاء جدد إلى نادي العالم الثالث، وهو ما سيكون بمثابة سيناريو وحقيقة جديدة يتعامل معها نتنياهو فيجد بين شقوقها فرصة سانحة للبقاء. كارثة عالمية قد تؤسس لمدرسة جديدة تقوم على إقناع خصومه بضرورة تشكيل حكومة وحدة وطنية، يرأسها هو لتواجه العهد الجديد وكامل متغيراته. لقد أثبتت التجارب أن القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة، ومواثيق حقوق الإنسان، ومقررات التعليم الحقوقي في كل العالم، وجدت لتنتحر عند أقدام نتنياهو، الذي لم يحالفه الحظ فحسب، بل خصه القدر أيضاً بولادة الفرصة الذهبية بأن يقابله عبر الأطلسي رجل يشابهه في الجنون والجور والتغطرس فيساهم الاثنان معاً في خدمة بعضهما بعضا. نتنياهو هو السياسي الذي أنقذته كورونا قولاً وفعلاً بانتظار معركة الحظ والدهاء والقدر .
بالفعل لله في خلقه شؤون!