28 مايو 2020

ما العمل؟

ما العمل؟

قلنا في المقال السابق إننا سنبدأ بمناقشة الكيفيات والآليات التي من شأنها تعزيز الصمود الوطني في وجه الخطة الأميركية لتصفية حقوق الشعب الفلسطيني، والذي يعتبر مخطط الضم مفصلاً صميمياً منها.
لن يستقيم أي نقاش جاد ومسؤول لهذه الآليات والكيفيات دون معالجة المحاور الرئيسية التالية:
- موقع ودور السلطة الفلسطينية
قبل كل شيء فإن الموقف الفلسطيني الشامل من مبدأ وجود السلطة ودورها قد تطور وتدحرج وانتهى إلى ثلاثة مواقف أساسية:
موقف حركة فتح والذي كان يعتبر ولا يزال أن السلطة الوطنية الفلسطينية هي منجَز سياسي يجب المحافظة عليه، والتمسك به، باعتبارها (أي السلطة) أحد تجليات وتجسيدات الكيانية الوطنية، وباعتبارها أيضاً ذراعاً لمنظمة التحرير الفلسطينية.
شارك في نشأة هذه السلطة وتأسيسها منذ البداية، إضافة إلى حركة فتح وبعض المستقلين، كل من حزب الشعب، وفدا، وجبهة النضال الشعبي بدعم من جبهة التحرير الفلسطينية وجبهة التحرير العربية والعربية الفلسطينية وطيف واسع من المجتمع الفلسطيني.
لم تشارك كل من "حماس" والجبهتين الشعبية والديمقراطية في هذا التأسيس، ولكنها التحقت بهذا المسار بعد ذلك، وخصوصاً عندما انخرطت كلها في انتخابات المجلس التشريعي الأخير، وهذا هو الموقف الثاني.
وصل الأمر إلى تشكيل حكومة برئاسة حركة حماس قبل انقلابها على الشرعية الوطنية، وصل الوضع إلى إقامة حكومة انقلاب في القطاع بعد هذا الانقلاب.
وشاركت الجبهة الديمقراطية و"المبادرة" في حكومات السلطة، ولم يبق خارج اطار المشاركة المباشرة إلا حركة الجهاد الإسلامي التي لها موقف معارض لمبدأ المشاركة بما في ذلك المشاركة الخاصة بالمجلس التشريعي، في حين انخرطت "الشعبية" في النظام السياسي (الناتج عن "أوسلو") بالمشاركة في انتخابات المجلس التشريعي، وانخرطت كوادرها في الجهاز الوظيفي لهذه السلطة. وهذا ما انتقل إليه وتدحرج نحوه الموقف الثالث.
إذاً، لا أساس بالمطلق لكل دعوات "الاستغناء" عن السلطة الفلسطينية في كل التراث السياسي لكل المكونات السياسية الفلسطينية ولكافة أطراف الحركة الوطنية الفلسطينية.
ولا مجال بالتالي للمبالغات والمزايدات والمناقصات على هذا الصعيد.
وكل الانتقادات التي كانت توجه للسلطة هي انتقادات تتعلق بالأداء وطرائق الإدارة الاجتماعية والمحتوى الديمقراطي وسياساتها التنموية والخدمية.
وكل انتقادات من هذا القبيل تعتبر من حيث المبدأ مشروعة، بل ومطلوبة كما كانت بالأمس، ومطلوبة اليوم أكثر من أي وقت مضى.
ومن حق كل مكون سياسي ان يشارك او يمتنع عن المشاركة في حكومة السلطة حسب رؤيته وتقديره لدورها وممارستها وبرامجها وسياساتها.
وإذا كانت السلطة كنتاج لاتفاقيات أوسلو قد كانت مقبولة على كل الأطراف المكوِنة للنظام السياسي الفلسطيني من حيث المبدأ، وإذا كان الموقف منها قد تحدد في المراحل المختلفة منذ قيامها وحتى الآن، حول هذه المسألة أو تلك، او حول هذا الموقف او ذاك، فإن الموقف من هذه السلطة يفترض انخراطاً أوسع وأكبر بعد "التحلّل" من اتفاقيات أوسلو، وبعد أن أمعنت إسرائيل في محاصرة هذه السلطة، وبعد أن أعلنت الولايات المتحدة الحرب عليها. هذا إذا كنا نتحدث عن مواقف منطقية ومتماسكة جدية وليست للعنتريات السياسية.
وعليه، فإن مطالبات إلغاء السلطة ليست إلا هلوسات سياسية تشبه الهلوسة التي تصيب الإنسان عند ارتفاع درجة حرارته، إذ يبدو الأمر هنا وكأن هذه الهلوسات ناتجة عن ارتفاع درجة حرارة الصراع ليس إلاّ.
كما أنه ليس من البطولة في شيء أن نترك عشرات آلاف الموظفين لمصيرهم، وأن نزيد من تفاقم المشكلات الاجتماعية والتي هي متفاقمة أصلاً.
ثم ما هي تبعات إلغاء السلطة على السلم الاجتماعي وعلى الأمن والأمان الاجتماعي في حالة إلغاء السلطة.
أليس من المسؤولية الوطنية التوقف عند هذا الأمر الحساس والخطير؟
وإذا ما ذهب المجتمع الفلسطيني إلى حالة الفوضى والفلتان فهل يتعزز النضال الوطني والصمود الوطني؟، أم أن نشوء أجسام محلية، عشائرية وحمائلية وجهوية ستتحول (بحكم الأمر الواقع) إلى الحامل (الشرعي) لمشروع الاحتلال في إنهاء الصراع وحصره في مطالب معيشية مذلّة؟
المشكلة بالتالي ليست في وجود السلطة، وإنما في دورها ومحتواها وبعض سياساتها، وبالتالي حقيقة الوظيفة المطلوبة منها.
وإذا كانت السلطة بالنسبة لإسرائيل هي ضرورة سياسية للتغطية والتورية والتعمية، ولاعتبارات أمنية إسرائيلية حصرية وخاصة بموجب اتفاقيات أوسلو، فإن هذه السلطة لا تصبح بنفس درجة "الأهمية" لإسرائيل عندما "تتحلّل" السلطة ومنظمة التحرير الفلسطينية من هذه الاتفاقيات. وهذا الأمر يعني أن إسرائيل ستضغط بكل إمكانياتها بهدف إبقاء السلطة عند حدود هذا الدور، وإلاّ فإنها ستعمل على إضعافها على طريق التخلص منها.
ولذلك فإسرائيل ليست بوارد الحلول في مكانها (كما يتصور بعضنا)، إنما في إيجاد بدائل محلية تنفذ مخططات الاحتلال بدلاً منها، ما يعني أن الكل الوطني بات مطالباً بالدفاع عن هذه السلطة حتى ولو قرر عدم المشاركة في هيئاتها، وأن الكل الوطني بات مطالباً بتحديد ما يراه ضرورياً لكي تقوم هذه السلطة بدورها ووظيفتها وتتبع السياسات التي تعزّز مسيرة الكفاح الوطني والصمود الوطني.
ويبقى السؤال هنا: كيف للكل الوطني أن يدافع عن السلطة ويحميها وينخرط فيها وأن يستعيد ويعيد الثقة لدورها ومكانتها ووظائفها وسياساتها قبل أن تقوم حركة فتح أولاً وباعتبارها قائدة هذه السلطة والمهيمن الرئيسي عليها بالمبادرة إلى ذلك؟
هنا تتحمل "فتح" مسؤولية خاصة وتاريخية. إذ لا يمكن ولا يعقل أن تحقق هذه الأُمنيات بدعم السلطة والدفاع عنها من الكل الوطني دون أن تغير السلطة من محتواها الديمقراطي نحو أعلى درجة ممكنة من العلاقات الوطنية الديمقراطية المقوننة والمشرعنة مؤسساتياً، ودون أن تحارب الترهل والفساد، ودون أن تنحاز إلى الغالبية الفقيرة، وتنقل خيارتها من الانحياز للرأسمال الكبير إلى الانحياز المتوازن للمصالح الوطنية الشاملة، وليس الانحياز للأغنياء على حساب بقية فئات المجتمع.
كما لا يمكن أن تتحقق مثل هذه التطلعات دون مشاركة وطنية مسؤولة من كل أطراف الطيف السياسي بالقرارات الوطنية، والانتهاء من "عصر" التفرد والهيمنة والانتقال الحر إلى الشراكة الوطنية، وبما يعكس أعلى درجة من المشاركة الواسعة حتى ولو كان هذا الأمر على حساب قوة "فتح" ومكانتها الجماهيرية.
ولن تلقى السلطة الوطنية الدعم المطلوب قبل أن تفك ارتباطها النفعي والمبهم والتوظيفي بمنظمة التحرير الفلسطينية، وبحيث تتحدد الأدوار والمهام والصلاحيات على أسس راسخة جديدة. وهو المحور الذي سنعالجه في المقال القادم.