04 يوليو 2020

نساء من حديد

نساء من حديد


كتبت: هبة محمد العزة

لم أكن يوماً غير فلسطينية قلباً وقالباً، ولدت على أرض القدس المنهوبة، وترعرعت بين أزقة المخيم المسلوب وطنه، كان لي وطن هناك في المنفى بين قرى الخليل المهجرة في 1948، كانوا يطلقون علينا فلاحين; ولكن لا أحد يعلم أني لا افقه شيئاً بالزراعة، ولا أستطيع استخدام الفأس، ومع ذلك كنت أرى أن الناس لايلقبوك بالفلاح فخراً بل أنه نوعاً من الاستهزاء بهم، وحين كبرت وجدت أن طبقة الفلاحين والمتمسكين بالأرض أكثر الناس رفضوا أن يبيعوا أوطانهم; فتمسكوا بالشجرة وذرة التراب ودافع عن كل غصن زيتون ارتبط بكرامته وعرضه بحفاظه عليها، هنا أدركت أن كلمة فلاح ليست عيباً، ويا ليت استطيع أن أحمل فأسا واعشق الأرض كما عشقها أجدادنا، ولكن تهجرنا قسراً ووجدنا أنفسنا بمخيمات اللاجئين، وأصبحنا اللاجئون أبناء المخيمات، لم يدرك عامة الشعب أن هؤلاء من حملوا قضية الأرض على أكتافهم وحاربوا كي يعودوا من المنفى، استبدلوا الفأس بالحجر ومن ثم السلاح، استردوا كرامتهم بالكفاح، لم يركعوا للاحتلال يوماً، لهم من النضال ما يكفي ليكتب التاريخ عنهم، سقطوا شهداء وأسرى وجرحى وخلفوا ورائهم الألوف من خنساء فلسطين، خلفوا ورائهم امرأة من حديد تثقل بمائة رجل، دافعت عن أبنائها، وودعت أحبابها، وزغردت في جنازاتهم متفادية ذلك الجرح الذي يمزق قلبها، ليرى العالم أنها امرأة ولا كل النساء.

حين جلست يوماً مع وفد من أمريكا في الجامعة التي تخرجت منها، كانوا يمتلكون نفس النظرة عن نساء المخيم والمحجبات منهن بالذات، ولكن لمسوا من التجربة التي تحدثت عنها أن أعظم النساء من تخرج من رحم المخيم وتستطيع أن تحقق شيئاً رغم الظروف، رغم أنها لا تمتلك أبسط الحقوق التي يمتلكها النساء والرجال بأي مكان أخر وهو الحرية والخصوصية، فصنعت من نفسها إنسانة حرة حين تحدت الواقع ورسمت لحياتها طريقاً تحرر نفسها من كل تلك القيود التي يفرضها المجتمع عليها.

ما جعلني أذكر هويتي بالبداية ليس لأني أفتخر بفلسطينيتي فقط بل لأني لم أفكر للحظة أن أخرج من فلسطين باحثة عن وطن آخر، زواجي بالخارج جعل لحبي لفلسطين شريكاً آخر وهي الأردن، حيث أن الأردن تملك أكبر نسبة لاجئين فلسطينيين بين الدول العربية والعالم، وما فاجأني هو أغلب اللاجئين هنا لا يمتلكون ما يكفي عن وطنهم الضائع، لا يعرفون تاريخهم، ولا ينتمون إلى وطنهم الأصلي، كنت أبرر لهم ذلك بأن الأردن لم تنتقص عليهم شيء، فهي عوضتهم الجنسية والحقوق والوظائف والتأمين الصحي وربما كل هذا لم يكن متوفراً لهم لو سكنوا فلسطين بالحقيقة، ولكن حق انتمائهم للأردن حرمهم من وطنهم وقضيتهم على الأقل بداخلهم، حتى أنهم لا يمتلكون عن المخيمات سوى أنهم أسوء شرائح المجتمع يعيشون فيه، لربما ذلك يعود لالتماسهم أن المخيمات في الأردن بعيدة عن الواقع الفلسطيني، وهذا أيضاً لا ينتقص من اللاجئين هنا، بل يدفعنا لتغيير نظرة مجتمع بأكمله سواء بالداخل أو الخارج، فلينظر العالم ما الحقوق الذي يمتلكها أولئك اللاجئين بسوريا ولبنان وغيرها من الدول عدا الأردن، طبعا بلا حقوق بل تجردوا من هويتهم ومن أحلامهم، ذهبوا وراء الشمس وهم يحملون على أكتافهم حلم العودة، لم يؤخذوا شيئا من تراب فلسطين، وقالوا لأبنائهم سنعود ودفنوا ما يملكون تحت الأرض، وتأملوا بالعودة بعد يوم أو يومين أو حتى سنة، ولكن حلمهم بالعودة بات رماداً، وطال حلمهم بالعودة أكثر من سبعين سنة، وأرضهم بات عليها سكان جدد، وكل ما استطاعوا فعله هو أن يربوا أبنائهم أن لهم وطن يجب العودة له، وأنهم يجب أن يكافحوا ليعترف بهم العالم وبحقوقهم وذلك لأنهم لم يحصلوا على شيء غير أنهم أضاعوا أوطانهم.

نعم خرجت من رحم المخيم على أرض فلسطين، وإن لم أكن لاجئة يوماً ربما لم أكن صنعت شيئا في حياتي، ولم أصل إلى هنا، حققت نجاحاً يدفعني فخراً بكل مرة أن أقول أني اللاجئة الفلاحة ابنة المخيم، وحين ننظر إلى تاريخ فلسطين وقياداتهم وأدبائهم سنجد أنهم جاؤوا من المنفى بالداخل والخارج كغسان كنفاني والناجي العلي ومحمود درويش وإبراهيم طوقان وفدوى طوقان وأبو جهاد وغيرهم من الذين تركوا بصمة يشهد لها التاريخ بالنضال بالحجر والقلم والسلاح، وهذا ما دفعني ممتنة لأبي الذي وضعنا على أرض المخيم وحين كبرت وصنعت دفعني ذلك أن أخذ على عاتقي أني لا استطيع اسقاط اسم أبي بكل مرة أنجح بها أو اكتب حرفاً واحداً للناس، وهنا أقول أن التشريد كان واقع سيء على كل الشعب الفلسطيني، ولكن على الأقل رغم المعاناة واللجوء لم يتنازلوا عن حقوقهم وأحلامهم بالعودة واستطاعت القضية بين أزقة المخيم والمنفى بالخارج أن يصنعوا امرأة من حديد لا تستبدل بمليون رجل ما زال يقول أن اللاجئون باعوا أوطانهم، ولم يدرك أن اللاجئين لو باعوا أوطانهم وأغلقوا المخيمات لأغلقت القضية الفلسطينية وانتهت بالتعايش مع أعدائنا الصهاينة، ولكن نسائهم هم من أنجبوا أبناء ربتهم على أن هناك أرض ما زالت عالقة بيد الغرباء يجب أن يحرروها، فوجدنا أن ابن العشر سنوات يطارد وراء المحتل بمنتصف الليل وباقي الشعب نائمون وغارقون في سباتهم ومخلفون ورائهم نساء يحترق قلوبهم ناراً وهي منتظرة أبنائها أما سالمين أو شهداء تلقي عليهم النظرة الأخيرة، هؤلاء هم النساء من حديد الذي أتحدث عنهم الذي ما زال من لا يعرفون أوطانهم يتحدثون عنها.