04 يوليو 2020

"كورونا" والإغلاقات.. من ينتصر أولاً؟

"كورونا" والإغلاقات.. من ينتصر أولاً؟

دون شك أن العالم ونحن منه، يدخل في دوامة غير متناهية من الصراع بين فيروس كورونا العنيد والإغلاقات المتكررة، بصرف النظر عن شدتها أو مدتها، ومع بلوغ عدد الإصابات اليومي في بلادنا خانة المئات، ومع تسجيل العديد من الوفيات وبالأخص في محافظة الخليل، لجأنا مرة أخرى الى الإغلاق المشدد للبلاد، ومع وصول عدد الإصابات اليومي في الولايات المتحدة رقما قياسيا وتخطيه حاجز الـ50 ألفا في اليوم الواحد، لجأت الولايات التي بدأت بفتح أسواقها وأعمالها قبل أسابيع مثل ولايات تكساس وفلوريدا وكاليفورنيا، الى الإغلاق مرة أخرى، أملا في الحد من عدد الإصابات ومحاصرة الفيروس، الذي ما زال غامضا مربكا عنيدا وسريع الانتشار. ورغم أن الاتحاد الأوروبي قد بدأ في فتح الأسواق والحدود ضمن إجراءات وقيود مشددة، إلا أن هاجس إعادة انتشار الفيروس ما زال موجودا، ومع انتظار نتائج الإغلاقات، سواء في بلادنا أو في دول العالم المختلفة، يواصل الفيروس التوطن وإحداث الإصابات وربما انتظار اللحظة المناسبة للانقضاض والانتشار.
ويستشف من دراسات أولية أو من ملاحظات عامة، أن نتائج أو آثار الإغلاقات في الحد من انتشار الفيروس هي نتائج، أقل ما يمكن وصفها بالمتواضعة والهشة والحذرة، في الحد من انتشار الفيروس، وأن الإغلاقات دون إجراءات وقائية متواصلة مشددة، لن تحقق النتائج المطلوبة، خاصة إذا كان الفيروس موجودا أو منتشرا في منطقة أو في بلد ما، وأن الإجراءات الوقائية بحد ذاتها، مع التدخل السريع في العزل والتتبع وإجراء المزيد من الفحوصات في المنطقة المصابة، وبالتالي التعرف على المصابين الذين لا تظهر عليهم الأعراض، ربما يكون الخيار الأكثر قبولا أو الخيار المستدام في الحفاظ على الوضع الصحي والجانب المعيشي الحياتي الاقتصادي للناس والبلد، والإجراءات الوقائية ليست بالمعقدة، سواء أكانت الوقاية الشخصية او المجتمعية، من ارتداء الكمامة والنظافة الشخصية والتباعد وعدم الاكتظاظ وما الى ذلك، والتي من السهل تطبيقها من خلال التوعية وبالتالي الالتزام الشخصي والمجتمعي، وفي نفس الوقت تطبيق إجراءات قانونية حازمة كفيلة بتحقيق الالتزام.
ومع الهلع الذي يرافق الناس والمسؤولين حين تبدأ الإصابات بالارتفاع وبالتالي ازدياد عدد الحالات التي تدخل المستشفيات ومن ثم ازدياد الحاجة الى دخول غرف العناية المكثفة، ومن ثم الحاجة الى أجهزة التنفس الاصطناعي، فإنه من الأحرى التركيز على الاستثمار أكثر في بناء قطاع صحي قوي ومتكامل ويصمد أمام أوضاع أخرى مشابهة أو أكثر خطورة من أزمة كورونا، وهذا ما أثبتته الأزمة الحالية في دول العالم وفي بلادنا، حيث من الواضح أن دولا تملك نظاما صحيا قويا وسريع الاستجابة مثل ألمانيا وتركيا واليابان وكوريا الجنوبية، سجلت عددا أقل من عدد الوفيات رغم عدد الإصابات الكبير، ولم يصبها الهلع والاستجداء والتخبط، مثل دول أخرى ارتفع فيها عدد الوفيات الى أرقام لم يتوقعها أحد، مثل الولايات المتحدة أو بعض ولاياتها، والبرازيل والمكسيك وغيرها من الدول.
ومع تواصل الإغلاقات، سواء عندنا، أو في دول العالم الأخرى، يبدأ التذمر من الانهيار الاقتصادي في التصاعد، ويبدأ تململ الناس، وتبدأ التحذيرات من المجاعة والفقر وترتفع أرقام البطالة، وفي حال بدأ الفيروس في تسجيل عدد أقل من الإصابات، تبدأ إجراءات العودة الى الحياة الاعتيادية، ويتناسى الناس وجود الفيروس، رغم أنه موجود ودون لقاح يمنعه من العدوى أو عقار يخفف من تداعيات العدوى، ويبدأ التراخي في إجراءات الوقاية الفردية والمجتمعية، وتنخفض الجاهزية في التدخل السريع من فحوصات وعزل وتتبع ومراقبة، وبالتالي يبدأ الفيروس في العودة وبقوة وبشكل أكثر شراسة، وهذا ما حدث في بلادنا، في مناطق مختلفة من الخليل الى بيت لحم ونابلس، وهذا بالضبط ما حدث في ولايات أميركية عديدة، وبالأخص كبيرة وتملك اقتصادا هائلا، مثل كاليفورنيا وتكساس وفلوريدا وربما يحدث في ولاية نيويورك، إذا كان هناك تراخ في إجراءات الوقاية، مع عودة الحياة العادية والاقتصادية الى طبيعتها.
ومع أن اللجوء الى الإغلاق بأنواعه هو من الأمور السريعة والسهلة، إلا أن الإغلاقات لها آثار متعددة بالإيجاب والسلب على مسارات مختلفة، مثل الصحة والاقتصاد والعلاقات الاجتماعية وحتى السياسية أو التوقعات السياسية، ومع التسليم أن الإغلاق وبالتالي الحد من الحركة والاختلاط، وبالأخص في مناطق الإصابات سوف يسهل عمل الأجهزة الصحية في التعامل وحصر حالات الإصابة، إلا أنه ليس بالحل المستدام طويل الأمد للتعامل مع فيروس كورونا، حيث انه في نفس الوقت له آثار سلبية قد تكون عميقة، على الاقتصاد والعمل وبالتالي يولد تصرفات اجتماعية لم نعتد عليها، وعلى مجمل علاقات اعتاد الناس عليها، في الأفراح والأتراح والمناسبات المختلفة، وعلى سياسيين وبرامج سياسية، ومع تكرر الإغلاقات، فإن مستوى التزام الناس سوف يقل بل ويتلاشى، وبالتالي سيؤدي الى نوع من المواجهة والتحدي، وفي المحصلة سوف يفشل الإغلاق في تحقيق النتائج المطلوبة، أو على الأقل يحقق نتائج قصيرة المدى، تزول مع زواله.
وفي بلادنا، ومع بدء الإغلاق الشامل ولمدة خمسة أيام، ولكنه قابل للتجديد وربما لفترات أطول، فمن المفترض أن نعمل على استراتيجية متكاملة بعيدة المدى، تحمي الناس والنظام الصحي، وتحافظ على الاقتصاد ومعيشة الناس، وتدعم النسيج الاجتماعي والعلاقات التي اعتاد عليها الناس، وفي نفس الوقت تحافظ على علاقة من الثقة والمسؤولية بين السلطة والناس، وهذا يتطلب نوعا من القبول بالتعايش مع الفيروس مع الحد الأدنى من الخسائر، ومع إجراءات وقائية يقتنع بها الناس، بعيدا عن الإغلاقات الشاملة أو حتى التهديد بها، وبالتالي إبقاء الفيروس العنيد تحت السيطرة.
ومن أجل إبقاء هذا الفيروس تحت السيطرة وعدم التراخي في الإجراءات، حتى لو توقف تسجيل حالات جديدة، وبالحد الأدنى من الخسائر ومن القلق ومن التخبط، فعلينا أن ننظر الى نجاح دول أو تجمعات قامت بإبقائه تحت السيطرة حتى الآن، ومن هذه الدول من هو كبير ويملك إمكانيات مثل الصين وكوريا الجنوبية وتركيا، ومنها دول صغيرة مثل سنغافورة ونيوزيلندا مثلا، وهذا يتطلب إجراء اكبر عدد من الفحوصات الممكنة، والممكن إجراؤها من خلال العمل على توفير المواد للفحص او الكادر البشري، لأن من خلال الفحص فقط يمكن التعرف على الإصابات وبالأخص الإصابات دون أعراض من الشباب وذوي المناعة القوية، وبالتالي عزلها ومتابعتها وتتبع الناس والأماكن التي تواجدت معها أو فيها، والتعرف على الإصابات وبشكل مبكر يمنع تداعيات المرض المؤلمة، مثل الحاجة الى المستشفى والعناية المركزة وأجهزة التنفس الصناعية وبالتالي الوفاة، وفي نفس الوقت توفير المواد والأجهزة لإجراء الفحوصات، أو من خلال توفير الأجواء والسلامة والأمن لأخذ العينات ومتابعة الحالات ومنع الفلتان أو التهرب.
ومن أجل عدم فشل الإغلاقات الحالية والمستقبلية وبالتالي انتصار الفيروس علينا، فإن على المواطن أن يلعب دورا مهما، لأنه هو من يتحكم ومن خلال البؤرة أو الدائرة الضيقة، في إمكانية انتشار الفيروس، سواء من حيث المبادرة الى إجراء الفحص إذا كانت لديه هناك أعراض بسيطة أو شديدة وبالتالي الانتهاء من دوامة «الوصمة» أو الخجل والعيب، لأنه لا يوجد فرق بين «كورونا» وأي فيروس آخر، وبالأخص فيروسات الرشح أو الإنفلونزا، وبالتالي فإن تكثيف حملات التوعية والوصول الى الناس من خلال المعلومة الواضحة والتوجيه الصحيح ودون ترهيب أو تخبط هو مهم، حيث من الواضح أن هذا لم يحدث بعد، وما زال الناس يتوجسون ويتهربون ويتهاونون ويتراخون في إجراءات الوقاية، وكذلك ينظرون الى المصابين بشكل غير طبيعي، وهذا الأمر هو مسؤولية الجميع، من الحكومة بمكوناتها الى المجتمع المدني والمؤسسات المختلفة.