06 يوليو 2020

تعزيز الرواية وتأهيل النخبة السياسية

تعزيز الرواية وتأهيل النخبة السياسية

الآن، أمام المشهد الذي يتشكل في العالم والإقليم، وفي تأمل الواقع الفلسطيني وأحواله الغريبة يمكن تخيل كم أفسد السياسيون والدبلوماسيون الصغار والمتسلقون على كل شيء ومدبجو الشعارات الثورية، الرواية الفلسطينية، عملية إفساد طويلة تواصلت وشملت السرد وتجاوز الحقائق، والخفة في تعويض الثغرات المعرفية بمحفوظات وطنية أو رطانة معجمية، سواء عبر محاولات محزنة تفتقر للمعرفة والمخيلة، على مدى عقود، لاسترضاء الأفكار التي انبنت عليها الرواية الصهيونية الاستعمارية والثقافة الاستشراقية التي دعمتها وعززتها وأسبغت عليها شرعيات قادمة من مفاهيم عنصرية وغيبية من جهة، أو من خلال مخاطبة الذات والإسراف في توجيه الخطاب البلاغي الذاتي المجوف ووصف الموصوف واستدعاء الأهازيج وبطولات انتقائية في زمن لم يعد موجودا، نوع من السلفية اللغوية العاجزة على أن تكون جزءا من الراهن ومعارفه المتحققة.
تغرق «النخب السياسية» في سذاجة المبادئ الصغيرة المحفوظة للعمل الدبلوماسي ولا تغادر مربعها الذي يتساقط فوقها، ويواصل البلاغيون تكثير أنفسهم في اللغة، بينما في الخارج يتشكل واقع مختلف وتنهض عناصر ويعبر العالم نحو زمن جديد.
البيئة التي تتشكل في العالم في هذه المرحلة تتجاوز «القوميات» وتعيد البحث في ما كان تاريخا راسخا للعالم، وتؤسس لقراءة مختلفة للتاريخ مبنية على إدانة «العنصرية» والظلم واضطهاد الشعوب وتصنيفها حسب اللون والدين والعرق، وترفع الاحتجاج الذي نما في الشوارع لعقود طويلة والأحاديث الصغيرة في المطابخ الضيقة إلى حركة ووقائع.
المعادلة هي كيف يمكن أن نكون شركاء في التحول العظيم الذي يحدث دون أن نخسر جوهر الرواية، كيف ندفع روايتنا الحقيقية بحكمة، دون أن نغرق في دور الضحية ودون أن نقدس الموت، كيف يمكن أن نكون شركاء دون أن نقفز على روايات الآخرين.
ما يحدث الآن هو استعادة حقيقية للرواية الأصلية في العالم ووقائعها وشخوصها الحقيقيين، شعوب العالم في موجة مواجهة العبودية وتحطيم رموزها، تعيد النظر في الرواية الليبرالية المزيفة للكوكب التي نشأت منذ اكتشاف «العالم الجديد» وتعززت وأضيف إليها عبر حروب الاستعمار وحركة الاستشراق والحربين العالميتين، روايتنا جزء من هذه الاستعادة الكونية، القوى الحية التي نشأت بعد انفجار مقتل «فلويد»، تمنحنا هذه الفرصة، يمكن هنا الحديث عن إشارات قوية تصل، مثل استعادة حركة «حياة السود مهمة» في بريطانيا لدور الفلسطينيين في مواجهة العنصرية والاحتلال، التي أعلنت بوضوح:
«بينما تمضي إسرائيل قدما في ضم الضفة الغربية، وفي ظل السياسة البريطانية الكاتمة للحق في نقد الصهيونية وممارسات الاحتلال الإسرائيلي الاستيطانية، فإننا نقف بصوت عال وواضح إلى جانب رفاقنا الفلسطينيين».
الأمر يحتاج قبل كل شيء إلى شراكة حقيقية بين المجتمع المدني ومؤسساته، وهي مؤسسات تمتلك تجربة حقيقية متراكمة، وبين المؤسسة الرسمية، على علاتها الكثيرة التي من المفترض إصلاحها وتأهيلها بما يتناسب مع الموقف الواضح الذي اتخذته الرئاسة الفلسطينية بعدم التعامل مع الأفكار الأميركية التي تضمنتها «صفقة كوشنير - نتنياهو - فريدمان». وما يجعل من هذا الموقف، الذي أثبت تأثيره، سياسة ابداعية ليست قائمة على رفض المقترح الأميركي فقط، ولكن العمل على عزلها والحصول على مكتسبات يوفرها رفض العالم للصفقة.
التأهيل المقترح يشمل التخلص من أسباب الترهل والخمول والتعالي ونزعة تبديد الوقت والفرص التي تكتنف أداء السلطة، ومنح المجتمع المدني بأذرعه في الشتات دورا مقررا في بناء التحالفات ومخاطبة العالم.
الحفاظ على جوهر الرواية الفلسطينية الشعبية، خارج «الأداء السياسي»، بحيث لا تجعل من سرقة فلسطين بمقدراتها، الأرض والثروات والمنجز المجتمعي والبنية التحتية التي جرى الاستيلاء عليها وتحويلها إلى «معجزة إسرائيل»، ومعاناة الفلسطينيين أمرا مسلما به، أي نهايات للصراع ينبغي أن تنطلق من هذه الحقيقة. الحقيقة التي ينبغي أن تبقى مرفوعة وواضحة في وعي وحياة المستوطنين «الإسرائيليين» وداعميهم كفضيحة لكل الأفكار الليبرالية والمدنية لهذا العالم، وفي وعي وذاكرة الأجيال الفلسطينية كمدونة حقوق لا يمكن التساهل بشأنها أو التفاوض حولها.