12 يوليو 2020

زمن الفلسطيني

زمن الفلسطيني

الكاتب: د. أحمد رفيق عوض

المداخلة (التي كان من المفروض ان ألقيها امام المؤتمر الذي دعا اليه اتحاد الكتاب في روسيا البيضاء وحضره عشرات الادباء والكتاب من دول شتى وذلك في بداية شهر شباط من العام الحالي. وقد كان لسفيرنا هناك الدكتور خالد عريقات دوراً مهماً في ايجاد تسوية مقبولة على الجميع).

الزمن قضية شخصية تماما، ولهذا اختلف الناس عليه، فهو ليس فيزياء فقط، ولا مجرد قياس لحركة المكان حسب المصطلح الديكارتي فقط، بل هو أعمقوأكثر تعقيداًمن مجرد رصدٍ للخارج.

فالزمن كما ذكرت قضية شخصية، فهو احساس فردي، وتجليات روحية، وهو في لحظة ما، يفقد بدايات ونهايات، ويتشكل في دوائر متقاطعة، او ثقوب لا نهايات لها، ولهذا كان الزمن دائماً مثار جدل لا ينتهي.

فالزمن في نهاية الأمر هو خيارنا واختيارنا، نخلقه تماماً كما يخلقنا، وهذا ما تم معرفته حتى قبل اينشتاين الذي اكتشف ان الزمن يتغير حسب السرعة وحسب المكان ايضا.

بالنسبة لي، انا الذي تخصصت الى حد كبير بكتابة الروايات التاريخية، أي يتوجب علي النظر الى الزمن باعتباره "مشكلة" او باعتباره "حلا" او باعتباره " معيارا"، فإنني اميل دائما الى الايمان بان الزمن - بالمفهومين التاريخي والفيزيائي- يحمل معه قوانين صادقة الى حد ما، هذا يعني ان التاريخ - في دوراته وتطوره- يمكن له ان يقدم استخلاصات هامة جدا في حركة البشر والحضارة، واقول استخلاصات ولا اقول حتميات، كما يقول الشيوعيون او حتى الرأسماليون الذين اعتقدوا ان نهايات التاريخ هي إما ديمقراطية سعيدة وليبرالية اسعد ومجتمعات مرفهة، وأما مجتمعات كفاية يحصل فيها افرادها على ما يحتاجون، ويقدمون قدر ما يستطيعون، انا لا اؤمن بذلك، فالتاريخ مفاجئ، وغير متوقع، ولذلك هناك انتكاسات عنيفة تعرضت لها الاطروحات الغربية خصوصا، تلك التي رأت ان التاريخ له قانون عام.

لماذا اقول ذلك؟!

اقول ذلك لأننيقادم من فلسطين، حيث الزمن -بمعناه الفيزيائي البحت والبسيط- يعني الكثير جدا لكل فلسطيني.

فمثلا، عندما اكملت الحركة الصهيونية احتلال ما بقي من فلسطين عام 1967، واحتلت القدس ونابلس وجنين وطولكرم وقلقيلية، طلبوا من كل ذكر بالغ تجاوز 15 سنة من عمره ان يحضر الى الساحة العامة، عندها لم أكن قد بلغت الخامسة عشرة.

بعد ذلك بأقل من سنة، قامت قوات الاحتلال الاسرائيلي بإحصاء المواطنين الفلسطينيين في الضفة الفلسطينية المحتلة، ولم تسجل هذه القوات أي فرد من افراد العائلة لم يكن متواجدا في تلك اللحظة، بعد ذلك، وزعت سلطات الاحتلال بطاقات شخصية لكل من بلغ السادسة عشرة. ومنذ عام 1967، وسلطات الاحتلال تتعامل معنا حسب اعمارنا، فهي لا تمنح تصاريحها للسفر او التجارة او الزواج او الطلاق او الموت او الدراسة او أي امر من امور الحياة الا اعتماداً على السن، وهي لا تسمح بالمرور من حواجزها في لحظات معينة الا للمريض او العجوز او المرأة او الطفل، وهي تمنع الذكور والاناث في منطقة ما من السفر إذا كانوا في اعمار اقل من سن معين، وهي لا تعطي تصاريح للعمل داخل المدن الاسرائيلية الا لعمال في سن معين وان يكون متزوجا ولديه اولاد.

انا شخصيا، وهأنذا ابلغ الستين عاما، ومنذ ان كان عمري سبع سنوات وحتى الان استغل سنوات عمري من اجل تسهيل أموري الحياتية وتنقلاتي وعملي.


الزمن هنا يتحول الى عقاب، وسنوات العمر تتحول الى ميزة لدى البعض، والى لعنة لدى البعض الاخر.

السلطات الاسرائيلية المحتلة سجنت منذ عام 1967 مليون فلسطيني تقريبا، تحكم على بعضهم بمئات السنين وبعضهم حتى مماته، الاحتلال صادر قروناً من السنين من عمر الفلسطينيين، ولهذا، فان تطور مجتمعنا الفلسطيني تمت مصادرته او ابطائه منذ عام 1948. فالفلسطينيون يحيون تحت كل كوكب، لم يستطيعوا حتى الان تشكيل مجتمع متكامل، فهو مقطع الاوصال وتفصل بين اجزائه جغرافيات متباعدة.

بالنسبة للفلسطيني، فقد بدأ الزمن او انتهى عند سنة 1948، حيث حدثت النكبة، والنكبة باختصار هي السنة التي تم فيها طرد الفلسطينيين من مدنهم وقراهم بعد تعرضهم للحصارات والقتل والترويع.

بالنسبة لكل فلسطيني فإن سنة 1948 هي بداية زمن استثنائي، غير محسوب ولا معدود، كل الايام بعد هذا التاريخ مؤقتة وعابرة، ولا تستأهل.

بالنسبة للفلسطيني، فإن ما قبل 1948 هو الجنة وانهارها وشجرها وعسلها وخمرها.

الزمن تجمد هناك. وقد لا اكون مبالغاً انه رغم كل الفروق والخلافات الايديولوجية والسياسية بين الفلسطينيين، فإنهم موحدون هناك. معلقون في سنة شكلت مفترق طرق حقيقي.

اذهب ابعد من ذلك لأقول ان الزمن ليس كشافا فقط، ولكنه قادر على اسباغ القدسية على ما مضى، وهو ما يحصل، ويبدو ان ذلك من افعال الزمن العجيبة.

ولهذا عَمِدَ الفلسطيني – بشكل واع او غير واع- الى ايقاظ ذاكرة حية ونشطة لبلورة روح قومية جادة وفاعلة اساسها ما قبل عام 1948.

لهذا، فان ما يتحدث به السياسيون – من واقعية ومرونة وانصياع للشبكة الدولية من القوانين والاعراف- لا تتطابق مع ما يسبغه الزمن من قدسية على ذكريات ما قبل 1948.

في بعض الاحيان، نحن لا نحب ان يتحرك بنا الزمان حتى نشعر بالحياة. هذا هو بالضبط. الزمن قضية شخصية تماما.

انا، وقد طرد ابي من قرية كانت تطل على البحر المتوسط، وحدثني حتى بأسماء الطيور المهاجرة التي كان يصطادها في شبابه. ما زلت قادرا على اصطياد تلك الطيور وعلى تَنَسُّمِ رياح البحر. بالمناسبة، نشرت رواية صدرت عام 2006 وطبعت عدة طبعات في عمان ودمشق اسمها "بلاد البحر".

كانت تلك هدية لوالدي لأقول له أنني أن أيضاً علقت روحي بسنة 1948.