14 يوليو 2020

من قتل الشيخ أحمد ياسين؟

من قتل الشيخ أحمد ياسين؟

لم يكن سراً أن جهاز الأمن العام الإسرائيلي (الشاباك) يعمل منذ عقود على تجنيد عملاء له من الداخل الفلسطيني. موضوع العمالة لإسرائيل موضوع حساس، لم يكن طرحه إعلامياً سهلاً بالنظر إلى أن إسرائيل هي العدو الأول للعرب؛ خصوصاً بعد هزيمة 67 التي كسبت فيها إسرائيل أراضي لم تحلم بها: القدس كاملة، وشبه جزيرة سيناء، والضفة الغربية.

التطرق لعملاء يعملون لصالح إسرائيل من حركات تسمي نفسها مقاومة، مثل «حماس» أو «الجهاد الإسلامي» أو «حزب الله» اللبناني، كان من المحرمات، والمساس بهذا المحرم يعني خيانة للقضية، واصطفافاً إلى جانب العدو.

قبل أيام، كشفت قناة «العربية» الإخبارية عن اعتقال حركة «حماس» لستة عشر عضواً من أعضائها، بينهم من ينتمي لجناحها العسكري (عز الدين القسام) بتهمة التخابر مع إسرائيل. صحيح أن الحركة نفت؛ لكن ما بثته «العربية» هو ما نعرفه دائماً، أن العمالة لإسرائيل متغلغلة في حركات المقاومة. وسبق لـ«حماس» عام 2017 تنفيذ حكم الإعدام في ثلاثة فلسطينيين بتهمة اغتيال مازن الفقهاء، القيادي في «كتائب القسام» بعد اتهامهم بالقتل والتخابر مع إسرائيل.

تل أبيب نجحت بشكل ملموس في تجنيد ما يكفي من العملاء الذين استندت إليهم كمصادر معلوماتية ساهمت في تنفيذ عمليات اغتيال لشخصيات مهمة، مثل الشيح أحمد ياسين، مؤسس حركة «حماس». الشيخ ياسين تعرض لمحاولتي اغتيال قبل المحاولة الثالثة التي انتهت بمقتله، وفي المرتين السابقتين كان من الصعب رصدهما؛ خصوصاً الأولى التي كانت اجتماعاً سرياً بين الشيخ ياسين وقياديين عسكريين في أحد المباني. المبنى تعرض لصاروخ موجه؛ لكن الشيخ كان قد خرج قبل ذلك بدقائق قليلة. ثم كانت المحاولة الثانية التي رصد فيها الشيخ ياسين وهو في طريقه لزيارة عائلية ولم يتم ضربه. أما الثالثة الأخيرة فكانت عند خروجه من المسجد فجراً. كيف علمت إسرائيل بكل تفاصيل تحركات الشيخ ياسين؛ خصوصاً مع حرصه بعد فشل محاولة الاغتيال الأولى على أن تكون تنقلاته محدودة وإقامته سرية، إلا للمقربين؟

عبد العزيز الرنتيسي الذي حل محله لم يتم الشهر حتى هوجم هو أيضاً بصاروخ أدى إلى مقتله. بهاء أبو العطا، وهو قيادي في «سرايا القدس»، الذراع العسكرية لحركة «الجهاد الإسلامي»، استهدفه صاروخ أثناء وجوده في مبنى في غزة. ومثله حامد الخضري، رجل إيران في «حماس» الذي قتل باستهداف سيارته في مركز مدينة غزة.

عمليات كثيرة لصالح إسرائيل كانت تتم بدقة في الأراضي الفلسطينية أو لبنان أو سوريا. إحداثيات مواقع التصويب لا يمكن لإسرائيل معرفتها إلا بمصادر من الداخل؛ خصوصاً مواكب السيارات التي تقصف خلال وقت زمني محدد.

حكايات طويلة لاغتيالات تمت داخل الأراضي العربية، بعد توفر معلومات من مصادر في الداخل، وبعضهم يشارك عملياً في عملية التصفية، كما حدث لعماد مغنية الذي زرعت قنبلة خلف رأسه، أعلى مقعد السيارة، وهو في دمشق.

لا أجد مبرراً للتعجب من الخبر الذي بثته «العربية». إنه جزء من الحقيقة التي نخجل أن نعترف بها، وهي أن إسرائيل تعتمد بشكل كبير على مصادرها العربية في تنفيذ عملياتها.

قناة «العربية» ذكرت ضمن تقريرها هروب رئيس الكوماندوز البحري محمد أبو عجوة، عبر قارب بمساعدة إسرائيل وهو يحمل وثائق مهمة، وهو عميل لإسرائيل منذ عشرة أعوام، وهذه الوثائق قطعاً تدين «حماس»، وربما لها ارتباط بالهجوم على الجهة الشرقية من الأراضي المصرية. من يدري! فنحن في زمن التسريبات الصوتية والورقية.

هذه المعلومات التي انكشفت تفاصيلها علناً، تؤكد أن العمالة داخل الحركات الإسلامية لا تتضمن عناصر من القاع فقط؛ بل حتى على مستوى قمة الهرم. هناك من القيادات نفسها من تآمرت ضد دولها لصالح المال الإيراني أو القطري، ظلمات بعضها فوق بعض. كم من حرب تورط فيها لبنان، أو غزة، بسبب قرارات قياديين فيها بدفع من المرشد الإيراني أو الصراف الإلكتروني في نظام قطر! وإلا من كان يتخيل أن حركة «حماس» التي أسسها أحمد ياسين تتلقى رواتب أعضائها من قطر عبر إسرائيل!

الميليشيات الراديكالية عموماً، يشكل لها المال عصب حياتها؛ ليس للإنفاق العسكري فقط؛ بل للمعيشة، هذا ما اضطر جماعة «الإخوان المسلمين» للخضوع للمال القطري، و«حزب الله» اللبناني لمد يده للناس لطلب المال، وهو ما استطاعت به إسرائيل شراء ذمم عملائها الفلسطينيين والسوريين واللبنانيين.

تأملوا ما يحصل في ليبيا؛ الميليشيات التي كانت تعتمد عليها حكومة تركيا أصبحت تتقاتل فيما بينها بسبب المال، بعد أن قرر إردوغان التخلي عنهم والاعتماد على المرتزقة السوريين. لماذا تم التخلي عنهم بعد كل هذه التضحيات؟ لأنهم ورقة واحترقت، وواشنطن حذرت أنقرة بأنها لا تقبل أن تتشارك مع ميليشيات مشبوهة في معركتها ضد الجيش الوطني الليبي... ثمن بخس بيعت به هذه العناصر التي كانت تظن أن السلاح سيمنحها المنعة. في النهاية، تم رميهم على قارعة طريق، مفلسين، مالياً وأخلاقياً.