27 يوليو 2020

التنمر على الثقافة

التنمر على الثقافة

لا يمكن فصل اعتقال سلطات الاحتلال لسهيل خوري، مدير معهد إدوارد سعيد للموسيقى، ورانيا الياس، مديرة مركز يبوس، وداود الغول منسق شبكة شفق في القدس، واقتحام المؤسسات الثقافية ومصادرة أجهزة الكومبيوتر، والهواتف الشخصية ووثائق المشاريع، عن ملاحقة المسرح الوطني (الحكواتي) من قبل بلدية الاحتلال ومحاولات إغلاقه المتواصلة بمختلف الحجج والمكائد، من تكديس الضرائب إلى تهمة «الأنشطة الممنوعة»، وقبل ذلك تهجير مسرح «القصبة» والاستيلاء عليه ودفع الكثير من المشاريع والفعاليات الثقافية خارج القدس عبر التضييق والضغط والملاحقة والمصادرة، والتي تأتي في سياق سياسة «الترانسفير» الثقافي الذي يسعى إليه الاحتلال في المدينة، الحملة التي تصاعدت بعد إغلاق «بيت الشرق» متخذة مسارات ووسائل وخدائع سواء في الجهاز التعليمي أو الحضور الثقافي الفلسطيني، لا يمكن فصل ذلك عن سلوكيات من نوع وقف عرض «عشتار معلم» الراقص في جامعة النجاح، والتنمر على الفنانة «أميرة حبش» بعد مطالبتها بدعم العاملين في الحقل الثقافي، ووقف عروض سينمائية وفنية في غير مدينة في الضفة الغربية لأسباب واهية وغير حقيقية، أو فصله عن استفراد الممولين بمصائر المشاريع والمؤسسات الفلسطينية و»تحديث» شروط التمويل وقيودها المتواصل.
الاحتلال يفرغ القدس من هويتها الثقافية من جهة، ويستثمر جيداً في الجهل ويغذي التخلف في مجتمعنا من جهة أخرى، وكلاهما الاحتلال والجهل يجدان في الثقافة الفلسطينية هدفا سهلا لأسباب كثيرة أهمها تجاهل المؤسسة الرسمية لحاجات ودور الثقافة، وبسبب غياب الجهة التمثيلية النقابية الفاعلة التي تدافع بقوة وضمن رؤية واضحة عن حقوق القطاع الثقافي.
دون بناء مؤسسة نقابية فاعلة ودون تغيير حقيقي في وعي المؤسسة الرسمية حول الدور الأساسي للثقافة في المواجهة وتجاوز لغة الإنشاء والتغني، دون ذلك، في الأقل، سيتواصل تفكيك المشروع الثقافي التي راكمه الفلسطينيون عبر تجارب عظيمة حافظت على الهوية الوطنية وأغنتها على مدى عقود، تجربة قدمت الكثير لفلسطين وللثقافة الإنسانية، ووقفت بشجاعة وإبداع في مواجهة الرواية الصهيونية ومحاولات تذويب الهوية الوطنية للفلسطينيين، وحافظت بقوة على حضور فلسطين في وعي العالم.
ببساطة هذا الإرث العظيم هو المستهدف الآن، وهو ما يحاول العدو تفكيكه سواء عبر وسائله المباشرة، أو عبر توظيف الجهل والناطقين باسمه في مجتمعنا.
المطلوب، بعيداً عن التحليل والتشكي ووصف الأحوال، نقل «بند الثقافة» من ذيل جدول اهتمامات الحكومة إلى بنود العمل الطارئ، والخروج من سياسة التعامل مع الشأن الثقافي بـ»المفرق»، وإخراج الثقافة من الهامش الذي ألقيت فيه لأكثر من عقد من السنوات العجيبة، وإطلاق خطة تنمية ثقافية حقيقية عبر ائتلاف عريض وحي يضم المؤسسة الرسمية ومؤسسات المجتمع المدني والمحلي.