27 يوليو 2020

نشطاء على «اليوتيوب»

نشطاء على «اليوتيوب»

ربما كان باسم يوسف أول من استخدم سلاح «السُخرية» في برامج موجهة. بدأها على قناة تلفزيونية في برنامجه الشهير «البرنامج»، وسرعان ما انتقل إلى وسائل التواصل الاجتماعي، لأنها أسرع وأوسع انتشاراً، وحيث لا رقابة ولا صلاحيات للدولة عليها.
ركز باسم وبشكل مبالغ فيه على الرئيس الراحل محمد مرسي، لكنه انتقد قبل ذلك الجميع دون استثناء.
رفض «الإخوان» برنامجه، وحاربوه ووظفوا عشرات المحامين من أنصارهم لرفع قضايا ضده وضد قناة CBC، وربما لم يحدث سابقاً أن وقفت كل الجماعة ضد شخص واحد بعينه، كما وقفت حينها ضد باسم يوسف.
بعد مجيء الرئيس السيسي توقف البرنامج، نتيجة ضغوط من الدولة، فيما رفض باسم الاستمرار بالبرنامج من خارج مصر، ومن بعده ظهر عدد كبير من الشبان والإعلاميين في برامج مشابهة، أبرزها برنامج «جو شو» ليوسف حسين، وبرنامج «السليط الإخباري» لنيكولاس خوري، و»فوق السلطة» لنزيه الأحدب، وقناة عبد الله الشريف، وأحمد بحيري.. وما يقدمه الناشط الفلسطيني علاء أبو دياب في صفحته على «فيسبوك»، إضافة لبرامج أخرى في معظم البلدان العربية.
وبالطبع، تختلف نظرة المشاهد لهذه البرامج، فمنهم من يعتبرها امتداداً لدور الصحافة في مراقبة السلطة ونقدها، ومنهم من يراها بديلاً عن القنوات الرسمية الجادة (التي تفتقد للمصداقية)، أو بوصفها مجرد برامج ترفيهية مسلية، ومن يراها أداة في أيدي الأنظمة لمواجهة أنظمة أخرى منافسة، أو معادية لها.. لكنها في كل الأحوال، وحسب خبراء الإعلام من أبرز وأخطر أساليب الاتصال السياسي في الوصول إلى الجمهور، وأكثرها فاعلية، خاصة أنها أصبحت تستقطب ملايين المتابعين والمشاهدين، بما يفوق أي قناة تلفزيونية.
تتناول هذه البرامج بطريقة نقدية لاذعة أداء بعض وسائل الإعلام العربية، خاصة الإعلام الرسمي المصري، من خلال إبراز التناقضات والمفارقات التي يتناولها الإعلاميون، والسخرية من ولائهم المطلق للسلطات، وتملقهم لها. وتأتي في المراتب التالية المواضيع المتعلقة بالتغييرات الجديدة في السعودية، حصار قطر، التوظيف السياسي للدين، التطبيع مع إسرائيل، انتقاد السلطة الوطنية الفلسطينية (وهي المادة المفضلة لدى البعض)، إضافة إلى نقد الكثير من المظاهر السلبية في المجتمعات العربية.
النقد مطلوب، مهما كان لاذعاً أو ساخراً؛ لأن النقد هو الضمانة ألا يتحول النظام إلى دكتاتوري، وهو السبيل الصحيح لكشف مكامن الخلل والفساد، وللتقويم والمراجعة وتصويب المسار.. النقد هو عكس ثقافة السمع والطاعة والخنوع. النقد يعلمنا كيف نتعامل مع رأس السلطة وكافة أركان النظام بوصفهم بشراً وحسب، قد يخطئون وقد يصيبون، وأنهم ليسوا فوق النقد، بل تتوجب مراقبتهم ونقدهم ومحاسبتهم.. فالرئيس، أو الزعيم، أو الخليفة، ليس ناطقاً باسم الله، ولا ولياً لنعمه.. ومهما كان نزيهاً وعادلاً ومستقيماً في سلوكه فإنه من دون نقد ومحاسبة سيتحول عاجلاً أم آجلاً إلى طاغية.
من يثق بنفسه ومنهجه ويعمل بشفافية لا يخشى النقد. من يخشى النقد، أولئك الذين يريدون تمرير برامجهم ومشاريعهم على الشعب دون محاسبة أو مراجعة من أحد، ودون أي تشويش أو اعتراض، بصمت وتحت جنح الظلام. باختصار، من يخشون النقد هم الفاسدون فقط.
والنقد حين يكون ساخراً يكون أكثر إيلاماً وفاعلية، وأكثر تأثيراً في خلق الرأي العام، وتوجيهه، لأنه يتمتع بقدرة أكبر على الجذب، خلافاً للنقد المباشر بأسلوب الوعظ والإرشاد.
مشكلة بعض هذه البرامج ليست في النقد بحد ذاته، ولا في السخرية، بل في محتوى ومضمون ما تقدمه، فمثلاً يتم انتزاع اللقطات المختارة من سياقاتها، وانتقاء ما يريده ممول البرنامج، وحجب ما لا يريد، والتركيز على قضايا معينة وتجاهل أخرى، بما يتناسب مع سياساته، وبالتالي اجتزاء الحقيقة وتشويهها، أي تضليل الجمهور.. وهذا يبدو جلياً في البرامج التي تبثها قنوات الجزيرة، أو التي تستضيفها تركيا، إذ أصبحت تلك البرامج أداة سياسية موجهة ضد خصومها السياسيين، خاصة مصر.
قد نجد العذر لبعض المعارضين الذين ليس بوسعهم التعبير عن مواقفهم وآرائهم من داخل أوطانهم، حيث سيكون مصيرهم السجن أو التصفية على الأرجح، لكنني أنحني احتراماً لمن بقي صامداً في بلده، وآثر التغيير من داخلها، وتحمل تبعات ذلك، ورفض أن يكون أداة بيد خصوم وطنه، دون أن نقلل من شأن وأهمية الاستفادة من أي منبر متاح، بهدف الإصلاح، ومحاربة الظلم والتعسف والفساد.
ليس المطلوب من مقدمي تلك البرامج أن يكونوا كاملين، وليس بوسعهم الإحاطة بكل شيء، فما هم سوى مقدمي برامج ساخرة، يسعون للفت الانتباه لقضايا معينة، ودق الجرس أمام الجماهير لرؤية أشياء قد تبدو صغيرة لكنها من وجهة نظره مهمة، ودعوة الناس للتفكير دون خوف، ورؤية القيادات والشعارات معراة من هالات القداسة والتمجيد. وهذا كله جيد ومطلوب، لكن عليهم تحرّي الدقة والأمانة، والتحلي بالنزاهة في طرحهم للقضايا، وعدم التركيز على السلبيات.
بعض مقدمي تلك البرامج وقعوا في فخ الشعبوية، والتهريج، بحثاً عن أكبر عدد من المعجبين والمتابعين، فصاروا يخاطبون العواطف، ويحرضون المشاعر، بعيداً عن لغة العقل والمنطق، وهذا يبدو واضحاً من خلال الانتقائية غير العادلة، والخفة في إصدار الأحكام، والتعميمات، والمغالطات الشائعة، واستخدام سحر البيان واللعب بالكلمات بمحتوى ومضمون سطحي دوغمائي، وتسويق الأيديولوجيات، وبعضهم لجأ لأسلوب الردح والشتم والتخوين.
بالمناسبة، معظم هؤلاء النشطاء محسوبون على «الإخوان المسلمين»، وهذه ليست تهمة، بل لتسليط الضوء على مدى تطور أسلوب «الإخوان» الإعلامي، كما أن معرفة خلفياتهم الأيديولوجية والسياسية، والجهات الحاضنة لهم تساعد على فهمهم وإدراك مقاصدهم.
النقد لا يكون بالتركيز على السلبيات، لدرجة أن من يشاهد تلك البرامج لا يرى سوى الجانب المعتم والسلبي، فتتسرب إليه مشاعر اليأس والقنوط من إمكانية تغيير هذا الواقع. النقد يجب أن يكون عادلاً ومنصفاً، وأن يمارَس بمسؤولية وطنية تتسم بالحكمة وبُعد النظر، وإبراز كل ما هو إيجابي، بنفس مستوى إبراز ما هو سلبي. وخلاف ذلك يتحول النقد إلى مجرد تحريض على الكراهية، دون هدف، سوى تحطيم الخصم.
من ينتقد الآخرين، عليه تحمل نقد الآخرين له.