28 يوليو 2020

إعادة تعريف الهدف الوطني المركزي

إعادة تعريف الهدف الوطني المركزي

تساءل د. ناصر القدوة رئيس مجلس إدارة مؤسسة ياسر عرفات عن الهدف الوطني المركزي للشعب الفلسطيني وحركته الوطنية، وعن الاستراتيجية الأنجع في مواجهة الصفقة والضم، في مقال له بعنوان: (مرة أخرى .. الدولة الوطنية والثبات عليها هو الأساس) هذا السؤال مطروح فعلاً وسط النخب السياسية والثقافية الفلسطينية وبعض المفكرين من أشقاء وأصدقاء كرد فعل على صفقة ترامب التي تتبنى فرض سيادة إسرائيلية على "ارض إسرائيل الكبرى" وشطب الحقوق الوطنية والتاريخية الفلسطينية. ولا يغير من هذا الهدف الاستعماري وضع رتوش ومساحيق لاسترضاء القيادة الفلسطينية.

من الطبيعي أن تلجأ أي حركة وطنية ومفكروها إلى مراجعة برامجها ومواقفها بعد كل فشل وإخفاق وتصويبهما بإدخال التعديلات الضرورية التي تعيق السير نحو الهدف الوطني المركزي. وما اكثر المعيقات والأخطاء وإهدار الطاقات التي يمكن التوقف عندها ونقدها دون هوادة وتجاوزها. النقاش الدائر كشف عن فوضى المعايير وتحديداً عندما نكون أمام فشل تحقيق الهدف او الابتعاد عن تحقيقه. السؤال المهم جداً الذي طرحه د. ناصر القدوة هل نغير الهدف الوطني المركزي عندما يتم إحباطه من قبل دولة الاحتلال الإسرائيلي؟ من يتتبع البرامج التي اعتمدها المجلس الوطني منذ جلسته الاولى في القدس عام 1964 وحتى جلسته الـ 19 في الجزائر. سيجد ان برامجه هي حصيلة الأوضاع الفلسطينية العربية الدولية، واذا كانت حالة الوضع العربي في الحقبة الناصرية حتى هزيمة 67 قد تركت بصماتها الأقوى على البرامج، فإن بصمات الثورة الفلسطينية كانت الأقوى حتى العام 73، وبعد ذلك أصبحت بصمات عربية دولية بما في ذلك بصمات اسرائيلية – مرحلة أوسلو -أقوى. لم تنفصل البرامج عن الواقع الموضوعي للقضية المتشابكة والمتناقضة المصالح. باستثناء مرحلة صعود الثورة الفلسطينية 67-73 كانت بصمات العامل الخارجي وتحولاته اقوى، وبخاصة عندما احتكرت إسرائيل والولايات المتحدة العملية السياسية، وعملتا على تقرير مصير الشعب الفلسطيني من طرف واحد، وكانت النتيجة صفقة القرن وما ترتب عليها من ضم القدس وشطب اللاجئين والضم وفرض السيادة الإسرائيلية. ما هو متفق عليه أننا بحاجة الى مراجعة ونقد وتصويب وإعادة بناء وتطوير مناعة الشعب في مختلف الأماكن، بالاستناد ليس للفشل وحده بل وللعوامل الاخرى. وفي هذا الصدد هل الاستجابة تكون بتدوير الزوايا، كالعودة للبرنامج الأول الذي طرحه المجلس الوطني في شروط مختلفة او بالقفز الى الدولة الواحدة، أو العودة للتفاوض بمجرد شوية كلام حلو ووعود بلا رصيد.

يدعو القدوة الى التمسك بالدولة الوطنية وبالهوية والحقوق كهدف مركزي فلسطيني، بعد أن يحرره من أخطاء قاتلة، كالتسليم بأن دولة الاحتلال هي التي تعطي دولة فلسطينية من خلال التفاوض وعبر ترديد مصطلح حل الدولتين الذي يقرن وجود دولة فلسطينية بإجازة اسرائيلية، معتبراً ان هذا قلب لكل شيء، للتاريخ والحقائق وللقانون وللموقف السياسي الصحيح". إذا توقفنا عند شروط نتنياهو العشرة للاعتراف بدولة بنتوستونات فصل عنصري فهذا يؤكد على ضرورة "خروج الشعب والحركة الوطنية من هذا الصندوق وعلى ضرورة التأكيد على ان الدولة الفلسطينية قائمة وان وجودها لا يخضع للتفاوض" كما يدعو القدوة. الخطأ الآخر، هو التقليل والتعامل مع خطر الاستيطان، لا بوصفه نقيضاً لإقامة دولة فلسطينية وإحلال المستعمرين مكان الشعب الفلسطيني، ولا بوصفه حياة أو موتاً وجريمة حرب بحسب القانون الدولي، والاكتفاء بوصفه أعمالاً أحادية الجانب.

أتفق مع ضرورة وأهمية الدولة الوطنية كهدف مركزي يلبي مصلحة فلسطينية عليا وحاجة ملحة للشعب في كل أماكن تواجده. الدولة المعترف بها، اداة دفاع عن الحقوق الوطنية التاريخية وفي مقدمتها حق اللاجئين الفردي والجمعي بالعودة حسب القرار 194، وتجسيد لتقرير مصير الشعب الفلسطيني بدون وصاية. الدولة أداة التصدي لجريمة الاستيطان ومصادرة الأراضي والموارد، ولجرائم القتل والتدمير والتطهير العرقي الصامت والتمييز عبر منظومات قوانين عنصرية. هذه الدولة محتلة اراضيها ومسلوبة السيادة والموارد ومحاصرة ومخنوقة بجدار الفصل العنصري والحواجز العسكرية وبوابات ومعابر تمتهن الكرامة الانسانية لكل فلسطيني، ومخردقة بالمستعمرات ومستوطنيها المعتدين. المحتلون جعلوها هكذا كي يمنعوا إقامتها واستقلالها وتطورها وأدوارها المفترضة، ارادوا ان يفشلوها. كان الهدف المركزي للاستيطان هو منع إقامة دولة فلسطينية عبر تقويض مقوماتها على الارض. هل نبارك لهم الفوز ونسلم بالوقائع الاستعمارية التي صنعوها باعتبارها امراً واقعاً، ام نعتبر كل الذي صنعوه غير شرعي وغير قانوني كما تقول قرارات الامم المتحدة. أم نقاوم هذه العملية بطرح قضية الاستيطان كجريمة حرب. هل يعقل ان نتراجع عن اقامة دولة فلسطينية بالمواصفات الوطنية والشرعية، وننصاع او نسلم بهدف الاستيطان المركزي المدعوم من الكنيست والحكومة والمؤسسة الامنية والعسكرية، وهو تشريع المستعمرات والوجود الاستعماري على ارض فلسطينية محتلة بحسب القانون الدولي.

لنفترض أننا سلمنا بفشل نهائي لإقامة الدولة الفلسطينية كهدف مركزي فلسطيني، يؤيده السواد الأعظم من دول وشعوب العالم، وانتقلنا الى دولة واحدة، وأنطنا كل المهمات بمنظمة التحرير بأطرها القائمة والمحتملة، فهذا يعني النكوص الى مرحلة سابقة ما قبل الاعتراف العالمي بالدولة الفلسطينية، هل يمكن استعادة دور المنظمة على أهمية ذلك بعد الدخول الفلسطيني في شبكة علاقات دولية على أساس دولة، وتمثيل عبر سفارات وممثليات دولة فلسطين التي أصبحت رغم كل الملاحظات والقصور والبيروقراطية والفساد عنواناً لكل الفلسطينيين. هذا ما يحدث الآن أثناء جائحة كورونا، وأثناء الأزمات في لبنان وسورية والعراق وليبيا ومصر وكل البلدان العربية والعالمية. الدولة اصبحت مسؤولة عن التعليم والصحة والشؤون الاجتماعية. هذه الدولة السلطة بحاجة الى تعديلات جوهرية في بنيتها ووظائفها لتنتقل بأدائها الى مستوى جدي ومسؤول. هل تستطيع المنظمة القيام بهذه المسؤوليات؟ الجواب لا، والسبب، لأن المنظمة انتقلت الى مستوى دولة وحولت مكاتبها وممثلياتها الى سفارات لدولة فلسطين. كأن هذا الكوكب ونحن جزء منه يمضي بسرعة هائلة كقطار سريع اذا جاز الوصف، المشهد الذي نراه لا يعود، هناك مشاهد جديدة دوماً. المثلب في تفكير البعض يتلخص بالعودة دائماً الى الماضي الذي لا يعود، والتاريخ الذي لا يتكرر، العودة الى البرامج السابقة، والعودة الى الاتفاقات السابقة، وكأنه محظور تقديم الجديد او تجديد القديم. صحيح هناك تراث ثوري يمكن الاستقواء به راهناً، ولكن من خلال وضعه في مسارات وعلاقات جديدة. دون ان يعني ذلك العودة الى مرحلة سابقة. وللحديث بقية