29 يوليو 2020

حربٌ صغيرة.. أم قنبلة دخانية نفسية!

حربٌ صغيرة.. أم قنبلة دخانية نفسية!

بينما أعلن جيش الاحتلال الإسرائيلي عن إحباط عملية لـ»حزب الله» في مزارع شبعا المحتلة يُعلن «حزب الله» ومن بيروت، أنّه لم تكن هناك أي عملية لإطلاق النار إلا من جانب العدو «الخائف والقلق والمتوتر»، ولكن مع بدء الحديث عن هذه العملية، بعد عصر أول من أمس، أعلن رئيس الحكومة الإسرائيلية أنّ هناك حدثاً مهماً يجري في الشمال، بعد ذلك بدأت تسريبات وسائل الإعلام الإسرائيلية أنّه تم إطلاق صاروخ كورنيت على دبابة ميركافا إسرائيلية، تبعه تسريبٌ آخر يُشير إلى تسلّل ثلاثة أو أربعة مقاتلين من «حزب الله» إلى مزارع شبعا وكفر شوبا، وتسريبٌ لاحق أنّ هناك اشتباكات في منطقتين متباعدتين في وقتٍ واحد في كلٍ من مزارع شبعا وكفر شوبا، ما يُشير إلى إرباك حقيقي لدى القيادة الإسرائيلية يصح معه قول «حزب الله»: إنّ العدو خائف وقلق ومتوتر، إذ تبيّن فيما بعد، ووفقاً للمصادر الإسرائيلية ذاتها، أنّ الخلية التي قيل إنّها تسللت إلى مزارع شبعا قد انسحبت دون خسائر رغم استهدافها من قِبل قوات الاحتلال بالقصف المركّز، مُشيراً إلى أنّ هذه العملية قد جرت في منطقة حرجية وكثيفة وصخرية بحيث كان من الصعب ملاحقة هذه الخلية والتعرّف فيما إذا تمت إصابتها بالفعل.
مع ذلك يمكن القول: إنّ هناك عملية نفسية استطلاعية من قِبل «حزب الله» ترمي إلى جس نبض مدى فعالية الاستنفار الواسع لدى جيش الاحتلال، واختياره الموفّق لمنطقة محتلة من قِبل إسرائيل أي مزارع شبعا، ما يمنع أي حرج داخلي لبناني، خاصة في ظل الظروف الصعبة والمتأزمة في لبنان واتهامات طالت «حزب الله» بمسؤوليته عن تخلي المجتمع الدولي والبنك الدولي في إنقاذ لبنان من أزمته الاقتصادية، إذ إنّ أحداً لا يمكنه إدانة أي مسعى من شأنه ملاحقة الاحتلال في المناطق المحتلة، خاصة أنّ هذه المنطقة أي مزارع شبعا تدّعي إسرائيل أنّها مناطق سورية محتلة بينما يقول لبنان: إنّها مناطق لبنانية محتلة. وبصرف النظر عن ذلك، فإن استهداف هذه المنطقة بالتحديد تم اختيارها بعناية كونها في سياق الرد على استشهاد مقاتل من «حزب الله» جراء عملية إسرائيلية بالقرب من العاصمة السورية، مع أن هذا الرد ما زال مفتوحاً حسب «حزب الله».
إقدام خلية «حزب الله» على التسلل إلى مزارع شبعا، وفقاً للبيانات العسكرية الإسرائيلية، في ضوء حالة الاستنفار الإسرائيلي الشامل والحشودات العسكرية الضخمة واستنفار ما تسمى الجبهة الداخلية، وتزويد كل مناطق الشمال المحتل بالوسائل القتالية والدفاعية بما فيها طواقم القبة الحديدة، كل ذلك يُعتبر انتصاراً واضحاً لـ»حزب الله» الذي تمكّنت خليته من التسلل مع كل هذه الحالة من الاستعدادات والانسحاب دون خسائر حتى حسب المزاعم الإسرائيلية.
وبعيداً عن المشهد المباشر لهذا الحدث أو الحرب الصغيرة وتداعياتها، لا يمكن تجاهل تأثيراتها غير المباشرة على مستقبل قوات حفظ السلام «اليونيفيل»؛ إذ من المتوقع أن تبدأ في منتصف آب المقبل مشاورات في مجلس الأمن الدولي حول مستقبل اليونيفيل على خلفية انتقادات إسرائيلية وأميركية، والمطالبة بتعديل مهمتها من مجرد قوات لحفظ السلام لكي تشمل هذه المهمات الوصول إلى أماكن أسلحة «حزب الله» ومصادرتها، وصلاحية اليونيفيل في تفتيش كافة المناطق بما فيها الأملاك الخاصة للمواطنين، الأمر الذي استجاب له الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس في تقريره الأخير الذي قدّمه لمجلس الأمن حول اليونيفيل، عندما قال: إنّه «يتوّجب تكييف وضع قوات حفظ السلام مع بنيتها التشغيلية والتحديات الحالية والمستقبلية، ما يتطلّب إنشاء قوة أكثر مرونة وحركة». هذه الأقوال تم تفسيرها باعتبارها تأييداً للرؤية الأميركية الإسرائيلية بشأن اليونيفيل، في وقتٍ قامت به السفيرة الأميركية دورثي شيا مُؤخراً بزيارة إلى مركز اليونيفيل في الناقورة للاطلاع عن كثب على مهماتها ومدى انسجام هذه المهام مع القرار الدولي، وفقاً لبيان صادر عن السفارة الأميركية في بيروت حول هذه الزيارة، علماً أن الولايات المتحدة تساهم بربع ميزانية اليونيفيل تقريباً، ما يُتيح لها التحكّم بمهامها مع أنها وافقت مُؤخراً على ميزانيتها للعام 2020-2021، إلا أنّ ذلك لا يمنع قيامها بضغوطٍ كبيرة من أجل ما يُسمى تطوير مهمات القوة الدولية.
وبصرف النظر، إذا كان ما حدث في مزارع شبعا حدث بالفعل، كما تُشير إسرائيل، أم أنّه مجرّد قنبلة دخانية نفسية واستطلاعية كما يُشير «حزب الله»، فمن المؤكّد أنّ ما حدث سيُشكل أداة تُستخدم من قبل إدارة ترامب وحكومة نتنياهو لتأكيد الحاجة إلى ما يُسمى تطوير مهمات اليونيفيل بما يخدم رؤيتهما المشتركة لطبيعة هذه المهام.