30 يوليو 2020

عشرة أسباب لزوال إسرائيل

عشرة أسباب لزوال إسرائيل

كتب د. محمود الفطافطة

إن الدول التي تٌبنى على جماجم الآخرين واستلاب أرضهم دولٌ ستبقى "فوبيا" البقاء والاستمرار مخيمة على كل مكونات وجودها. ومن أبرز الدول التي خطت دولها على الدماء والأشلاء أميركا عبر إبادة الهنود الحمر (أهل البلاد الأصليين)، ومن ثم خطت على منوالها إسرائيل، تلك الدولة التي بنت مداميكها على قبور الفلسطينيين وسرقة أراضيهم ولا تزال تبدع في انتهاج أبشع الأساليب والأدوات لتحقيق ذلك.

فالمتتبع للدراسات الإسرائيلية التي تنشر بين الحين والآخر، والى المؤتمرات والندوات التي تعقد هنا وهناك، يتأكد حجم الهوس والفزع الذي يبديه ويؤكده الساسة والعسكريين والاستراتيجيين في إسرائيل على واقع دولتهم ومستقبلها، ويرون أن الهدف الأساس للدولة العبرية الآن الحفاظ على وقود قوتها الحالية حتى تستطيع الاستمرار مستقبلاً. في هذا المشهد يرون أن إسرائيل لديها من التحديات الجسام التي تبرهن وتدلل على أن واقعها بائس، ومستقبلها غامض وخطير.
ولو قمنا بمراجعة تحليلية سريعة لمثل هذه التحديات، فإنه يمكن لنا إيجازها بنقاط ٍ محددة، أهمها:

أولاً: التحدي الأول، وهو التحدي الداخلي، ويتفرع عنه، جملة تحديات، وهي:
1. التحدي التاريخي، وهو يقين كثير من الإسرائيليين أن حدة الصراع بينهم والعرب والفلسطينيين ناتج عن احتلال دولتهم للشعب الفلسطيني وأرضه، وبالتالي فإن "فوبيا" الفلسطينيين الذي سرقت حقوقهم وشردوا إلى منافي الأرض لن يتركوا الشعب الإسرائيلي في حاله؛ لأن الإسرائيلي الذي يسكن في شقق فاخرة في تل ابيب أو مستعمرة أرئيل أو مدينة القدس هي مبانٍ أقيمت على راضي الفلسطينيين، ولا بد من يوم يأتي وتعود الحقوق إلى أهلها. فالفزع من "الحق الفلسطيني" مسكون في العقلية الإسرائيلية؛ سواء شعبياً أو رسمياً، ومن كافة الجهات والأطراف.

2. التحدي المجتمعي، حيث أن إسرائيل تموج بفرق القتل والمافيا والمخدرات والدعارة وتجارة الرقيق الأبيض والسرقة، وسواها. هذه الجماعات لديها من الإمكانات والقدرات ما يتيح لها زعزعة المجتمع الإسرائيلي، والتأثير على نظامه السياسي، إلى جانب القدرة على تهديد الأمن والسلم الداخليين.

3. العامل الاقتصادي الداخلي، فكثير من الإحصائيات والمعطيات المتداولة تؤكد أن نسب البطالة والفقر في إسرائيل تتزايد، خاصة لدى الطبقات الشرقية، والمهاجرين. هذه الأزمة تضاعفت وتيرتها واحتدت تجلياتها بعد الأزمة المالية العالمية، والأن، في زمن كورونا، سيما إذا أدركنا أن إسرائيل تدخل اقتصادياً واجتماعياً في إطار النموذج العولمي المتبلور في المنطقة، وتمثل صورة واضحة ودامغة لتجليات العولمة وتنويعاتها.

4. بعض القوى السياسية، خاصة اليسارية منها، وبعض الجمعيات والمؤسسات التي ترى في إسرائيل دولة صهيونية، وخطر يحيق باليهود، ليس في فلسطين فحسب، بل وليهود العالم قاطبة. ورغم أن هذا التحدي محدود القوى وضعيف الإمكانات والتأثير إلا أنه يؤخذ بالحسبان لدى القيادة السياسية والأمنية والحزبية في إسرائيل.

5. والتحدي الخامس، وهو مهم وحساس بالنسبة لواقع ومستقبل إسرائيل، يتمثل في تراجع أعداد المهاجرين إلى إسرائيل، حيث أنه ولأول مرة في تاريخ الدولة العبرية تواجه ما يسمى بـ" الهجرة المعاكسة". فبدلاً من أن تزيد أو تضاعف إسرائيل من الأعداد القادمة إليها، فإن الرغبة في الهجرة إلى إسرائيل أصابها الفتور من جهة، إلى جانب أن أعداد ليست بالقليلة من الإسرائيليين تغادر إسرائيل للإقامة في دول مختلفة، وفي مقدمتها أميركا ودول الاتحاد الأوروبي. هذه الظاهرة" الهجرة المعاكسة" لها أسباب، أهمها: سوء الوضع الاقتصادي والواقع الاجتماعي، وعدم الاستقرار الأمني، إلى جانب العنصرية والتفرقة الشديدة التي تفرض على اليهود الشرقيين دون الغربيين.

ثانياً: التحدي الأمني، وهذا هو التحدي الأكبر لإسرائيل، والذي تولي له الأهمية القصوى، لأن مثل تلك الدولة المبنية على أراضي الآخرين، لن يمكن لها أن توفر الأمن لأفرادها في ظل اعتبار أنها دولة احتلال وإحلال. التحدي الأمني له أشكال عديدة، أهمها التحدي الفلسطيني، ومن ثم العربي، خصوصاً من قبل الجماعات والأحزاب الثورية والمقاومة في الوطن العربي، وإن كانت قليلة، إلى جانب التحدي الأمني الإيراني، والذي ترى فيه إسرائيل خطراً محيقاً على دولتها ومستقبلها. وسيظل الرعب الفلسطيني مخيماً على واقع ومستقبل إسرائيل المحتلة، لأن الوضع الطبيعي ألا يكون هدوء في المنطقة، حيث أن السكون لا يتواءم مع الاحتلال. الذي يتواءم معه هو المقاومة والنضال والمواجهة.

ولا يمكن لنا التطرق إلى هذا التحدي دون أن نذكر مدى الترهل والهشاشة التي تسري في نفوس ومعنويات الجنود الإسرائيليين، وقبلهم ضباطهم. فعقب ما منيت به إسرائيل من هزائم وانتكاسات على يد حزب الله ومن ثم المقاومة في القطاع، نسمع ونقرأ الكثير من الاستطلاعات الإسرائيلية التي تظهر كم هي هذه المعنويات تتراجع، وكم هو الانتماء العسكري والقومي من قبل الجندي الإسرائيلي يفتر. وبما أن إسرائيل" مستعمرة عسكرية" فإن مثل هذه المشاهد ستتحول لطعنة في خاصرتها مستقبلاً، وبشكل أخطر وأعمق.

ثالثاً: التحدي الثالث يتمثل في الكره والحقد والبغضاء التي تواجهه إسرائيل على نطاق العالم بأسره، خاصة لدى الشعب المحتل؛ الفلسطينيين وشعوب العالمين العربي والإسلامي. هذا الحقد له كثير من المخاطر المستقبلية على إسرائيل. فهنالك مقولة تؤكد "أنه إذا أردت أن تقتل شخصاً ما أو تهدد مؤسسة أو دولة ما عليك أن تحقد عليهما أولاً". فما تقوم به إسرائيل من جرائم متواصلة بحق الشعب الفلسطيني وكافة مقومات ومرتكزات حياته المادية والبشرية تجعل من الحقد عليها يتضاعف لدى كل الأحرار في العالم. هذا الحقد على إسرائيل له علاقة مباشرة بإسرائيل. إن أميركا وإسرائيل هما الأكثر كرهاً وبغضاً على وجه البسيطة. كيف لا وهما الدولتين اللتين تحتلان أرض فلسطين والعراق وأفغانستان وتتدخلان في شؤون الدول والشعوب. كما أن مساعدة أميركا لإسرائيل ولد حقداً لا يوصف تجاه الطرفين.

رابعاً: التحدي الرابع يتمثل في التحديات الدولية العالمية، ونذكر هنا الجانب السياسي منه، حيث أن الكثير من دول العالم، وإن كان لها علاقات دبلوماسية مع إسرائيل إلا أن هذه العلاقات باهتة، ولم تكن على مستوى عالٍ من العلاقة والأهمية. هذا التحدي ليس بالقليل من حيث الأهمية، فبسببه تجد إسرائيل نفسها أحياناً أنها في عزلة، وهذا ما يقلل من مفاعيل ومقومات سياستها الخارجية، وبالتالي قدرتها على التأثير هنا وهناك. ويمكن لنا أن نذكر كمثال حي على هذه الدول بعض دول أميركا اللاتينية والجنوبية.

خامساً: التحدي الخامس، فهو أمني استراتيجي؛ يتمثل في "خطر الدول"، وأقصد هنا إيران وغيرها من الدول المنتظرة، ومنها دول عربية. فها نحن نرى يومياً المسؤولين الأمنيين والسياسيين في إسرائيل يهددون بهدم المفاعل النووي الإيراني، ويصفون إيران بأنها الخطر الأكبر والأول على العالم ودولتهم، وأنه على المجتمع الدولي أن يسرع قبل فوات الأوان بتخليص العالم من الرعب الإيراني والخطر النووي الإيراني. قد تقع إسرائيل في حماقة الهجوم على إيران، وعندها ستتعرض إلى مهالك لا تطيقها، وهذا من شأنه الإسراع في إضعافها؛ وبالتالي وضع الضباب على مستقبلها.

سادساً: التحدي السادس، وهو تحدي مالي، اقتصادي عالمي، والمقصود بذلك هو ما تواجه وستواجهه إسرائيل من أزمة مالية واقتصادية بسبب "تسونامي" الأزمة المالية العالمية التي أخذت وستأخذ إسرائيل منها نصيباً كبيراً، باعتبار أن اقتصادها معولم، ويعتمد بشكل كبير على الاقتصاد العالمي، خاصة الأميركي الذي هو في عين هذا التسونامي، خصوصاً ما يتعرض له هذا الاقتصاد المعولم من هزاتٍ لم يشهدها قط بسبب فيروس كورونا وتأثيراته على مجمل القطاعات البشرية والمادية قاطبة. هذا التأثير أو النتائج السلبية على اقتصاد إسرائيل سيولد لديها أزمات مختلفة وعميقة نظراً لأن المال هو الذي يحرك كل مناشط وقطاعات المجتمع والدولة في إسرائيل.

مختصر القول: إن مثلث القوة التي قامت على أركانه إسرائيل (المال، البشر، الأمن) نراه يوماً بعد آخر يتهمش ويُصاب بضرباتٍ ليست بالهينة. فالقوة المالية تتراجع بسبب الأزمات الاقتصادية العالمية، والداخلية، خاصة إذا علمنا أن معظم حجم الاقتصاد الإسرائيلي تملكه وتتحكم في خيوطه زهاء 18 عائلة إسرائيلية. أما العنصر البشري، فكما أسلفنا، فإن الهجرة المعاكسة هي التي تفرض واقعها الآن. أما بشأن الأمن، فهي "القطعة" التي تُسحب شيئاً فشيئاً من تحت بساط إسرائيل وهيمنتها الزائفة وأسطورة جيشها الذي مُرغت "كرامته المزيفة" في وحل بنت جبيل وغزة هاشم.

بكلمات موجزة: لا مستقبل لهذه الدولة؛ لأنها، ببساطة، دولة محتلة، مغتصبة لأرض الغير… دولة قامت على جماجم القتلى، وبيوتها على مزارع البسطاء. دولة حتماً ستزول… إنها الحتمية التاريخية والقرآنية. لقد استعمر فلسطين 30 مستعمراً. فهل بقي منهم أحداً؟ من يستعمر فلسطين فإن أرضها ستتحول قبراً له. إنها أرض النبوات والرسالات والحضارات. إنها الأرض المقدسة والطاهرة والمباركة. إنها الأرض التي لا يعمر فيها ظالم. إنها الأرض التي كفلها الله وحفظها من الدنس والفتنة. إنها أرض المحشر والمنشر. إنها أرض الخلافة القادمة. إنها أرض الفلسطينيين الذين لم يعرفوا أرضا لهم سواها، ولن يقبلوا بغيرها بديلا. إنها الأرض التي ستتحرر حتماً إن شاء الله… "أتى أمر الله فلا تستعجلوه".