20 سبتمبر 2020

لحظة تأمّل في المسار المندفع..!

لحظة تأمّل في المسار المندفع..!

من الصعب الكتابة عن عالم عربي تبدو فيه السياسة أقرب للعبة الهواة منه للفعل التاريخي الذي يسنده إرث متراكم من الأحداث التي صنعت بصمته، ومن الصعب الكتابة عن عالم دخل القرن الحادي والعشرين تائهاً مجرداً من ممكنات يثق بها في حركته، بل إن عوامل ضعفه جعلته أقرب للتأثر منه للتأثير حتى في الجغرافيا التي يقف عليها، ومن الصعب الكتابة في السياسة العربية التي لا يستند فيها القرار إلى مؤسسة أو علم ولا أحد حتى اللحظة يدعي قدرته على معرفة كيفية اتخاذ القرار السياسي سواء لجهة تأثير المصالح أو العائلة وأشياء كثيرة تحد من فهم التفسير وتحليل السياسة.
بكل الظروف جاء العقد الأخير ليزيد المشهد تعقيداً وليصنع مخاوف وهواجس لم تكن في حسابات صانعي السياسة أو حتى مراقبيها.
اختلط كل شيء وتغيرت الاصطفافات والتحالفات، وتلك أيضاً لا أحد يعرف كيف أنبتت ولا أحد يعرف كيف تحللت وتغيرت لأن بها الكثير مما يثير الحزن من عوامل شخصية كان لها دور هائل في القرار وهو ما لا يمكن فهمه في عالم السياسة.
لذا من الصعب تحليل ما يحدث في إطار السياسة ونظرياتها، فاتفاقيات السلام عبر التاريخ كانت تمر من بين قذائف الدبابات وأجنحة الطائرات، لكن لا يمكن تسمية علاقة انتقلت إلى العلن بعد أن كانت سرية لسنوات ليست بالقليلة، وحتى يظل للسلام هيئته وهيبته، فقد كشفت وسائل الإعلام الإسرائيلية عن علاقات طويلة بين إسرائيل وكل من الإمارات والبحرين، وما يحدث الآن يمكن أن يسمى إشهار علاقات وإن كان لهذا الإشهار ما يمس بالتراث السياسي للمنطقة التي كانت جزءا من ثقافته في العقود السبعة الأخيرة.
حالة التيه ربما تظهر في التعاطي مع إسرائيل وحجم التعبير عن الرضا مجرد فتح علاقات معها قبل جس نبضها وتجربة الاتفاق على أي بند معها، رغم أنها خذلت جميع الاتفاقيات مع الفلسطينيين كتجربة باستثناء اتفاق كامب ديفيد الذي تحميه عوامل القوة المصرية وليس حسن النوايا الإسرائيلية أو حسن التزامها الأخلاقي.
فالتغني بالسلام كأن المدافع قد توقفت أو أن الجنود عادوا للتو من المعركة إلى أحضان أمهاتهم وزوجاتهم أو وصف نتنياهو برجل السلام وهو اتهام أجزم بأن نتنياهو نفسه يرفضه ولا يقبله على نفسه.
من يراقب السياسة لا يحتاج إلى كثير من الجهد ليعرف أن جزءا كبيرا من حركة المنطقة وعلاقاتها تتغير مستندة لموازين قوى ليست في صالح العرب وليست في صالح الفلسطينيين أيضا.
فالعرب يسيرون بلا استراتيجيات واضحة أو باستراتيجيات يرسمها غيرهم فلا يلعبون فيها دور البطل ولا حتى دور الضحية بل دور الكومبارس الذي استدعته اللحظة، أما الفلسطينيون فقد دخلوا في متاهة إذ إن كل الأبواب بدت أمامهم تشبه نفسها ليكتشفوا أن آخر النفق لا يصل إلى الضوء بل لمزيد من التيه بعد أن ألقوا بكل ثقلهم نحو خيار واحد ووحيد ساقته لهم أقدار العرب أو الغرب عندما شحت الأموال العربية تعاقبهم وتدفعهم نحو طريق واحد ووحيد لا غير.
لا داعي لأن يحتفل العرب بالسلام لأنهم لم يذهبوا منتصرين، فلا بطولات ولا أبطال ولا معارك أو نياشين ولا داعي للاندلاق نحو وهَم الاعتقاد بأن إسرائيل نتنياهو ويمينه يمكن أن يتحولا إلى حمامة سلام أو أن تصبح دولة سوية أو تحسب أي حساب لمن اعتقد أنه أصبح شريكا لها، فالعقل الاستعلائي لا يأخذ العرب على محمل الجد ومن لا يصدق عليه قراءة الكثير في الشأن الإسرائيلي ليدرك سياق الأحداث.
ومن دولة بدأت تنزلق منذ ربع قرن نحو إسرائيل في السياسة والإعلام وباسم مكتب تجاري تحول مع الزمن إلى ساعي بريد للسياسات الإسرائيلية في الملف الفلسطيني، إلى دول تذهب للتو للمنافسة علها تحصل على وكالة شبيهة في ذروة فقدان التوازن ليضحك نتنياهو بكامل سخريته مما وصلنا إليه.
ما يحدث لا يعدو كونه أكثر من حملة انتخابات لإنجاح رئيس جاهل اكتشف الجزء الأكبر من الأميركيين أنه لا يليق بهم.
ولكننا نحن العرب اكتشفنا مع نتنياهو أنه يليق بنا أكثر ليس فقط جهله الذي يشبهنا بل غطرسته وعنجهيته التي عرفت كيف تتعامل معنا بابتزاز وتخويف وتنقل المال العربي طبعا على عتبة البيت الأبيض والذي لولا قدر الوباء لقدر له أن يفوز بفضلنا بسهولة ليكمل رحلته في ابتزازنا وتفتيتنا وتحريض كل دولة على الأخرى.
ومن يذكر الصراع بين قطر من جهة والسعودية والإمارات من جهة أخرى كيف لم يسمح لأي منهم بالسقوط أو النصر يدرك كيف يحترف ابتزاز الجانبين ويمنع مصالحتهم.
ومن قرأ البيان الأميركي القطري أول من أمس يدرك كيف يتنافس العرب أو كيف يستدرجهم لهذه المنافسات ومن يتابع في السياسة كان يدرك أن قطر لم تكن تسمح لدولة مثل الإمارات أن تسبقها.
ومن الانقسام في الخليج إلى الانقسام في فلسطين، فمن العبث الاعتقاد أن يظل الانقسام مبقيا هذه الصورة شديدة البؤس عن حال الفلسطينيين بخطابهم المنفصل عن الواقع سواء واقع موازين القوى أو تغيرات الإقليم، الخطاب الذي بات خاليا من السياسة يدور في نفس حلقة الانقسام بلا تقدم فعلي لإنهائه رغم كل ما يقال.
ومن يعتقد أن هذا الصراع الداخلي الذي أفقد الفلسطينيين هيبتهم واحترامهم لم يسهل على دول أن تندفع باتجاه إسرائيل فهو مخطئ، لقد بدأت المسألة من الفلسطينيين حين ظهروا بهذا الشكل البدائي وهم يتصارعون وما زال الأمر معلقا وهنا يبدو الخطاب في لوم العرب وحدهم بحاجة إلى لحظة تأمل بعيداً عن خداع الذات.