20 سبتمبر 2020

جريمة قتل على طريق وادي النار

جريمة قتل على طريق وادي النار

بدا العنوان كأنه عنوان لقصة بوليسية؛ لكن ليس ثمة لغز أو غموض يكتنفها، جريمة مكتملة العناصر؛ الجناة والضحايا وأدوات الجريمة وأسبابها وبيناتها وأدلتها مكشوفة ومعروفة. لم تحاول الجريمة إخفاء وجهها، قرر الجناة ارتكابها وهم يدركون بأن قرارهم محمي ومحصَّن مجتمعياً. ولو قلَّبنا صفحات وسائل التواصل الاجتماعي لأدركنا أي كارثة اجتماعية نعيش، حيث انبرى أشخاص ليسوا قليلين بوعي أو دون وعي للدفاع عن الجريمة والمجرمين، بذلوا جهودهم في تبرير فعلتهم الوحشية مُلْقين بالاتهامات البشعة في وجه الضحية القتيلة!!
بملامسة أولية لجريمة وادي النار يتبين معنا التالي: سلاح غير مشروع وغير مرخص، مركبة غير قانونية، قُطّاع طرق على واد سحيق في منطقة لها تصنيفها الاحتلالي، تحت السيطرة وبلا سيادة فلسطينية. من جانب آخر، سنقرأ عن تصنيفات اجتماعية للجريمة: ثلاثة قتلى رابعهم ينتظر الموت على خلفية «الشرف» في نطاق عملية غدر وانتقام.. وفي خلفية المشهد يقف الترهيب والابتزاز من أطراف وجهات تلبس عباءة الدين وتغمض عينها عن الواقع المعاش وما يحصل فيه من عنف متمادٍ، تجتهد في تكفير كل من يدعو لحماية المجتمع من هذا العنف رافضة صدور قانون حماية الأسرة من العنف، بحجج وذرائع واهية. وعلى الدفة الأخرى، فإن التصاعد في العنف وعمليات القتل فتحا الجدل مجددا حول إجراءات حكومية صارمة وجذرية لمصادرة السلاح الفالت ووقف النزف الداخلي جراءه.
اللافت في الإعلام الاجتماعي محاولة التبرير وخلق الأعذار للقتل الوحشي، بحجة الدفاع عن شرف العائلة، رغم أن الضحية قد تم عقد قرانها في 11/8/2020 بعد أن تم التحفظ عليها منذ نيسان الماضي في أحد بيوت الأمان، حماية لحياتها انطلاقاً من الاستشعار بأنها باتت مهددة بناءً على السجلات الحافلة بوقائع وأحداث شبيهة، ومن ثم تم تخريجها من بيت الأمان بعد الزواج شرعاً، وصولاً إلى عقد مؤتمر للحالة وفق الإجراءات المتبعة بحضور الجهات المختصة مع العائلة، دون أن يصدر ما يُلمس من تبييت لنوايا القيام بفعل الغدر والانتقام.
وهذا ان دلَّ على شيء، فإنه يدل أن الثقافة المجتمعية السائدة تشكل حاضنة للعنف ولا سيما العنف الموجّه ضد المرأة، فتلك الثقافة تعج بالتناقض، فهي من جهة تنحو لقبول العفو عن الجاني المرتكب لفعل الاغتصاب في حال زواجه بالمُغْصَبة، بينما ترفض من الجهة الأخرى تزويج القتيلة لنفسها - الجائز شرعا - بسبب رفض عائلتها للشاب الذي اختارته. ان هذه الثقافة ستبقى المحرض ضد العنف وليس من حل لهذه المعضلة إلا بإحلال ثقافة التسامح وحرية الاختلاف والاختيار محل التعسف والإرهاب الاجتماعي.
وإذا ما تأملنا في الحالة المجتمعية التي تشهد بين فينة وأخرى حالات قتل بسبب الثأر والانتقام أو خلال الأعراس والاحتفالات بالمناسبات الاجتماعية إضافة إلى حالات قتل النساء الناتجة غالبا عن العنف الأسري، فإن المؤلم والمثير للرعب في النفوس هو قصور المعالجات الأمنية والقضائية والإجراءات الحكومية عموما في هذا الشأن، رغم عدم انفصال سياسة إغراق المجتمع بالسلاح عن سياسات الاحتلال، وهنا لا بد من الاستشهاد والتأمل في تصريحات «موردخاي كيدار»، وهو أحد رموز الاحتلال العنصرية المقيم في مستوطنة «ايلون موريه»، التي يتحدث فيها عن تحويل مناطق السلطة إلى ثماني إمارات، بما يتضمن سياسة الاحتلال في تفريغ الكيانية الفلسطينية أو إلغائها، ثمانية كيانات أو «باندوستانات» منفصلة عن بعضها، وبالتالي فإن السلاح المنفلت يخدم توجه الاحتلال ويهشِّم دور السلطة الفلسطينية أكثر فأكثر.
ولا داعي للتذكير بالتداعيات السلبية والخطيرة المترتبة عن مماطلة الحكومة الفلسطينية في إصدار قانون حماية الأسرة من العنف، الذي تأخر كثيرا إصداره دون مبرر، لما يترتب على عملية التأخير والتغييب من انطباعات عن الاستجابة للابتزاز ويودي بحياة ضحايا محتملين او تهديد حياتهم فعلا. هذا التلكؤ بما ينطوي عليه من مخاطر يتناقض مع دور الحكومة وأجهزتها في تعزيز حالة الأمن والأمان لعموم فئات المجتمع ونقله من حالة الخوف الداخلي إلى حالة اليقين بالسلطة والثقة بحمايتها.
وذا كان من درس يُسْتفاد من هذه الجريمة البشعة والمروعة فإن أبرز هذه الدروس يتمثل في التعامل معها كجريمة مكتملة الأركان، وهو ما يعني رفض أقلمتها أو تكييفها ضمن مصطلح الشرف لأنها منه براء، بل يعطي المزيد من الحصانة للجناة ويشجعهم على ارتكاب المزيد. وأما الدرس الثاني والذي لا يقل أهمية فيتمثل في الإسراع في إقرار قانون حماية الأسرة والكف عن المماطلة في إصداره بعد ان ثبت ان غياب تشريعات فاعلة ورادعة يشجع على العنف بكل أشكاله وصولا الى القتل المعلن، ويسهم في النهوض بالسيادة على الأرض التي يعمل الاحتلال على تخريبها لغايات لا تخفى على كل من يملك البصر والبصيرة.