25 سبتمبر 2020

لا هي اتفاقيات سلام، ولا تاريخية

لا هي اتفاقيات سلام، ولا تاريخية

الكاتب: د. مصطفى البرغوثي

الحدث السريع الذي جرى في جنوب فلسطين على حدود قطاع غزة، أثناء توقيع معاهدات التطبيع في واشنطن، أرسل رسالة قوية وذات مغزى، بأن الأمن والسلام في هذه المنطقة كان، وما زال، وسيبقى بيد الفلسطينيين.

ورغم بهرجة المسرحية التي عُرضت أمام البيت الأبيض فإنها جائت أيضاً لتؤكد المقولة الشهيرة، بأن التاريخ يكرر نفسه مرتين، مرة على شكل مأساة، وأخرى على شكل مهزلة.

كل معاهدات التطبيع، السابقة، واللاحقة إن جائت، سعى إليها تحالف نتنياهو وترامب وفريقه برئاسة كوشنير لتحقيق ثلاثة أهداف.

أولاً - الترويج لصفقة القرن، بكل ما تعنيه من تصفية للحقوق الوطنية الفلسطينية، وترسيخ لنظام الإحتلال و الأبرتهايد الإسرائيلي.

ثانياً - تهميش القضية الفلسطينية، وعزل الشعب الفلسطيني، والإدعاء بأن التطبيع مع بعض الأنظمة العربية يعوض عن السلام الحقيقي الذي لن يتحقق إلا بتلبية حقوق الشعب الفلسطيني.

وثالثاً - تقديم مسرحية لدعم ترامب المهدد بالسقوط في الانتخابات الأمريكية القادمة، ونتنياهو المهدد بالمحاكمة في أربع قضايا فساد وجهت له الاتهامات بها.

وقد استبق نتنياهو توقيع المعاهدات بتصريحات قال فيها، لا لدولة فلسطينية، وأن القدس التي ضمها ستبقى عاصمة موحدة لإسرائيل، وفلسطين هي دولة اليهود فقط، وعلى الفلسطينيين قبول العيش في معازل تحت السيادة الإسرائيلية، أي في إطار نظام أبرتهايد، ولا عودة للاجئ فلسطيني واحد، واستكمل ذلك بالتلويح بإمكانية ممارسة تطهير عرقي جديد ضد الفلسطينيين.

أما الرئيس الأمريكي فقد رفض عندما سُئل عن الدولة الفلسطينية، أن يجيب ورفض أن ينطق إسم "دولة" للفلسطينيين، وعندما سُئل عن الضم أشاح بوجهه، ولم ينطق بحرف، وكل ما استطرد في تكراره أنه قطع المساعدات عن الفلسطينيين و خاصة عن وكالة الغوث الدولية التابعة للأمم المتحدة، ملوحا بمزيد من الضغوط على الفلسطينيين لإجبارهم على القبول بالاستسلام لصفقة القرن.


لم يعد بإمكان أحد الإدعاء بأن الضم الإسرائيلي لأراضي الضفة الغربية قد توقف وهو جار على الأرض يومياً، وخاصة أن معاهدات التطبيع وقعت بعد ضم القدس والجولان العربي المحتل، وبعد المباركة الأمريكية لذلك الضم، ونقل السفارة الأمريكية للقدس.

لا علاقة اطلاقاً بين "مسرحية" البيت الأبيض وموضوع السلام، فالنتيجة الأولى لما جرى كانت تقوية معسكر اليمين الفاشي العنصري المتطرف في إسرائيل، والذي يمثله نفتالي بينت الذي يعتبر نتنياهو المتطرف معتدلاً.

معسكر بينت حسب استطلاعات الرأي سيحصل على 22 مقعداً لو جرت انتخابات جديدة في إسرائيل بعد أن لم يحصل سوى على ستة مقاعد في الانتخابات الأخيرة هذا العام ، وهو معسكر ديني متطرف يرفض مبدأ السلام مع الفلسطينيين ويرفض الدولة الفلسطينية، ويصر على ضم كل الضفة الغربية التي يسميها (يهودا والسامرة) ويرفض التنازل عن أي شبر فيها.

ومن ناحية أخرى تصاعدت فور توقيع الاتفاقيات عمليات الاستيطان الاستعماري في الضفة الغربية ، و استشرت الاعتداءات على القدس وكل الأراضي المحتلة.

القضية الحقيقية التي ظهرت بالتوازي مع مسرحية التطبيع و"السلام"، كانت صفقات السلاح والتسلح الجديدة والتي ستحقق من ورائها الولايات المتحدة والصناعات العسكرية الإسرائيلية أرباحا كبيرة، والتبشير بتصعيد الصراعات الدائرة في منطقة الخليج وغيرها، بين أطراف عربية، وداخل بلدان عربية، وكل ذلك لا يحقق سلاما ولا يخدم إلا طموح إسرائيل للهيمنة المطلقة عسكرياً وإقتصادياً وسياسياً على المنطقة بأسرها، وأخذ العديد من الدول العربية رهينة لمنظومات التجسس والأمن الإسرائيلية.

وتبعت ذلك الإحتفال تصريحات السفير الأمريكي في إسرائيل فريدمان، حول فرض قيادات متواطئة على الفلسطينيين، وهي تصريحات وقحة وتمثل وسائل ضغط رخيصة وتافهة، وتؤكد أن هذا السفير لم يكن يوماً سوى موظفاً لدى نتنياهو وتياره العنصري المتطرف.

ما تناساه فريدمان، أن لا شرعية في فلسطين لأي شخص إلا الشرعية الوطنية والديمقراطية، ومن تهاون في حقوق الشعب الفلسطيني أو تواطئ مع أعدائه لن يحظى يوماً بقيادته.

وما تناساه منظمو مسرحية التطبيع في البيت الأبيض، أن اتفاقات سابقة عُقدت من قبل بين دول أكبر وأهم وبين إسرائيل، ولم تنتج تطبيعاً بين الشعوب العربية وإسرائيل، كما لم توقف نضال الشعب الفلسطيني، ولا استطاعت تجاوز الحقيقة الراسخة بأن جوهر الصراع ومفتاح السلام في الشرق الأوسط، كان وما زال قضية فلسطين.

وإذا كان هناك أمر إيجابي في كل ما جرى فهو أنه خلق تحدي أدى إلى رص صفوف الفلسطينيين في وحدة غير مسبوقة منذ إنهيار حكومة الوحدة الوطنية ونشوء الإنقسام الداخلي البغيض عام 2007. وحدة كاملة في رفض "صفقة القرن" ومشاريع التطبيع، ووحدة تتطور تدريجياً في تفعيل المقاومة الشعبية الفلسطينية وحركة المقاطعة وفرض العقوبات على نظام الإحتلال و الأبرتهايد الإسرائيلي، ويمكن أن تتطور لتبني إستراتيجية وطنية كفاحية موحدة.

كل أبواق الإعلام المنحازة للرواية الإسرائيلية، وكل محاولات تبرير التطبيع الذي جرى لن تستطيع إخفاء الحقائق الأساسية: هناك احتلال إسرائيلي هو الأطول في التاريخ الحديث، وهناك نظام أبرتهايد إسرائيلي هو الأبشع في تاريخ البشرية، وهناك جنود ومتطرفون إسرائيليون يدنسون كل يوم المسجد الأقصى، والمقدسات الإسلامية والمسيحية، وهناك شعب فلسطيني ضحى بالكثير، ولن يتنازل عن كرامته الوطنية أو ينكس رايات كفاحه.