26 نوفمبر 2020

لعلّه درس لكل مستهتر ومغرور

لعلّه درس لكل مستهتر ومغرور

تبدو قصة الفنان المصري محمد رمضان، أقرب إلى الاستهتار، وضحالة الثقافة، وسوء تقدير رد الفعل المحتمل من قبل الجماهير المصرية والعربية. يخرج السلوك عن دائرة الصدق وعدم الانتباه، فالواقعة حصلت في مطعم بدولة عربية، اعتقد معها رمضان أن العلاقة الجيدة بين مصر، وبين تلك الدولة، تمنحه الضوء الأخضر للتعامل مع واقع مختلف تماماً عن الواقع الذي يعيشه المجتمع المصري منذ توقيع اتفاقيات «كامب ديفيد».
رمضان المعروف بالغرور والأنانية اعتقد أيضاً، أن نجوميته الطاغية في الفترة الأخيرة يمكن أن تشكل له حماية من النقد وقاده سوء التقدير إلى الاعتراف بأن جمهوره تخلّى عنه، ولم يتنطح للدفاع عنه حين وقع في الفخ.
على غرار الاستهتار والغرور ورداً على من يعتقد من الفنانين أنهم يحسدونه على المكانة التي وصل إليها انتج محمد رمضان عددا من الأغاني منها «مافيا» و»الملك» و»السلطان»، و»نمبر ون» على غرار ما فعله المدرب مورينيو، الذي لم ينجح في أن ينصّب نفسه الأول والوحيد في قائمة مدربي كرة القدم.
لم يسقط تماماً مورينيو، وهو لا يزال يحاول، غير أن رمضان سقط. فالخطأ أو الخطيئة في هذا المجال كالطلقة، التي لا يمكن استعادتها بعد إطلاقها.
واهية وغير مقبولة مبررات رمضان، ولا يشفع له ما فعله، أن يعتمر الكوفية الفلسطينية، وأن ينشر على صفحته صورة العلم الفلسطيني، لكن ما فعله في سياق التبرير، قد يشكل له ولغيره درساً بليغاً، يحتاج لما هو أكثر ولفترة طويلة حتى يستعيد ويعيد بناء هوية الفنان المصري الملتزم بقضايا شعبه وأمته.
بعض الكتّاب والصحافيين الإسرائيليين أبدوا استهتارهم لما تعرض له رمضان، وبعضهم وجه له دعوات استضافة في إسرائيل وبات عليه أن يرد بقوة على هؤلاء، الذين كأنهم يقولون، إن إسرائيل بلد الحرية.
رمضان الذي ظهرت صوره مع فنانين إسرائيليين، وهو مبتسم كان قد واجه انتقادات واسعة وحادة، من قبل قطاع الفن والثقافة المصري، وأيضاً من نشطاء التواصل، الاجتماعي، في مصر قبل سواها من المجتمعات العربية.
يؤشر ذلك على مدى صلابة الجدار الثقافي المصري في مواجهة التطبيع، حيث لم تنجح إسرائيل في اختراق هذا الجدار على مدار الأربعين سنة المنصرمة منذ توقيع اتفاقية «كامب ديفيد». الاتفاقية قد تكون ملزمة للإطار السياسي الرسمي كدولة ولكنها غير ملزمة، ولا هي مقبولة من قبل المجتمع، وقد ظل قطاع الفن الغنائي والتمثيلي في مصر، ينتج أغاني ومسلسلات، وأفلاما مناهضة لإسرائيل ومناهضة للتطبيع.
الإطار الرسمي المصري لا يتدخل في المنتوج الثقافي والفني ولا في الخطاب الإعلامي، الذي لا يزال يتحدث عن الكيان الصهيوني، والعدوانية الإسرائيلية، وحقوق الشعب الفلسطيني والأمة العربية، لكنه يتدخل حين تقع خروقات، بخلاف ما يحصل في دول الخليج على سبيل المثال.
في دول الخليج، وحتى قبل أن يتم التوقيع مؤخراً على اتفاقيات التطبيع، ظهرت بعض الكتابات الصحافية، والآراء المعلنة، وحتى بعض الأعمال الفنية، التي تتنكر للتاريخ العربي والفلسطيني وتتغزل في إسرائيل وسِيَر اليهود وحقوقهم التي يدعون أنها تتعرض للانتهاكات في بعض المجتمعات العربية، لكن السلطات لم تتصد لهؤلاء.
الموضوع له علاقة بطبيعة الأنظمة السياسية، والمساحة المتاحة للحريات، بالإضافة الى غياب الحياة الحزبية والنقابية ومراكز الحماية المجتمعية. والحال في الأردن الذي وقع اتفاقية «وادي عربة» مع إسرائيل العام 1994، يشبه تماماً الحال في مصر، ذلك أن توقيع الاتفاقية، لم يؤد إلى تطبيع مجتمعي أو ثقافي، وظل المجتمع الأردني بكل مكوناته، يلتزم بخطاب سياسي معاد لإسرائيل حتى في الإطار البرلماني.
ثمة اختلاف آخر، وهو أن مصر والأردن، دفعتا أثماناً غالية من الشهداء والجرحى والأسرى، في سياق الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي ولم تختف الأجيال التي شهدت على تلك المعاناة والتضحيات، حتى تنسى، فالأولاد موجودون والأحفاد موجودون، وجبهة الثقافة المصرية والأردنية كانت أمينة على التراث القومي وعلى التاريخ، وعلى الحقوق العربية.
لم تمر ولم تتأخر، الردود الحازمة على صور محمد رمضان مع مشاهير إسرائيليين، ولم تقتصر على مجرد توجيه انتقادات، وإنما وصلت إلى مستوى تهديد المستقبل الفني، إلى جانب وقف مسلسله الرمضاني ووقفه عن العمل، يواجه رمضان دعوى قضائية مقدمة لمحكمة الأمور المستعجلة في القاهرة، بتهمة الإساءة للشعب المصري.
البيانات التي صدرت عن نقابة الفنانين التمثيليين ونقابة الصحافيين المصريين وعن اتحاد النقابات الفنية في مصر، أكدت عمق الالتزام الشعبي المصري برفض التطبيع، مع ما سمته الكيان الصهيوني، باعتباره يشكل إساءة للشعب المصري.
ثمة ما يمكن أن يقال في هذا المجال، وهو أن ما وقع به الفنان محمد رمضان، يقدم درساً عميقاً، على أن إسرائيل لا يمكنها أن تحظى بتطبيع علاقاتها مع العرب، حتى لو أنها نجحت بالألاعيب وبمساعدة أميركا، في إقامة علاقات مع بعض الحكومات العربية.
والدرس ممتد إلى الدول العربية التي طبعت والتي في طريقها للتطبيع بأن الذاكرة التاريخية المجتمعية والثقافية، لا يمكن أن تتسامح مع من يبدي ضعفاً، أمام دولة عنصرية توسعية محتلة لأرض العرب وحقوقهم.
لا يمكن لأصوات ناشزة يضخمها الاحتلال، بأن تخترق جبهة الثقافة العربية، باعتبارها الجدار الأقوى والأكثر رسوخاً في مواجهة المخططات الاستعمارية والصهيونية، تلك الجبهة التي تحاول إسرائيل عبثاً اختراقها أو أن تمنع محمد عساف وأمثاله من الفنانين العرب من أن ترتفع أصواتهم وفنونهم إلى عنان السماء.