14 يناير 2021

أميركا... ماذا بعد محاولة الانقلاب؟

أميركا... ماذا بعد محاولة الانقلاب؟

بعض الناس شبه اقتحام الكونغرس الأميركي وأحداث السادس من يناير (كانون الثاني)، بصدمة هجمات سبتمبر (أيلول) 2001. ففي الحالتين اهتزت أميركا وذهل العالم لفداحة الحدث، وفي الحالتين كانت هناك تداعيات. أميركا نظرت إلى الخارج في الحالة الأولى وأعلنت حرباً على الإرهاب ما تزال تداعياتها مستمرة. لكنها الآن تنظر مذهولة إلى عدو الإرهاب الداخلي، ولا تبدو موحدة حول كيفية مواجهته.
ما جرى في الكونغرس أمس كان خير شاهد على ذلك. فعلى الرغم من فداحة جريمة اقتحام مبنى الكابيتول لتنفيذ انقلاب على العملية الديمقراطية بعرقلة اعتماد نتيجة انتخابات الرئاسة، فإن الكونغرس بدا منقسماً إزاء كيفية الرد بسبب الحسابات والمصالح الحزبية. قلة من نواب الحزب الجمهوري وقفوا مع الديمقراطيين في التصويت لصالح قرار البدء في إجراءات محاسبة الرئيس دونالد ترمب بتهمة التحريض على التمرد تمهيداً لمحاكمته أمام مجلس الشيوخ بهدف عزله. غالبية الجمهوريين، وإن عبروا عن إدانتهم لأحداث السادس من يناير، اختاروا في نهاية المطاف معارضة عزل ترمب وحاججوا بأن الخطوة لن تساعد في مداواة الجروح وستزيد من الانقسام الحاصل في أميركا. وكبديل للمحاكمة والعزل، اقترحوا التوافق على مشروع قرار مخفف بتوبيخ الرئيس، وتشكيل لجنة مشتركة من الجمهوريين والديمقراطيين للتحقيق في الأحداث لمنع تكرارها مستقبلاً. هذه المقترحات بدت وكأنها محاولة لتمييع القضية، ومنع إدانة الرئيس ومحاكمته، ليس حباً فيه، ولكن دفاعاً عن صورة الحزب كي لا يسجل عليه أنه حزب أول رئيس في تاريخ أميركا يحاكم مرتين أمام الكونغرس لعزله.
في النهاية كان تصويت مجلس النواب لصالح قرار توجيه الاتهام لترمب تحصيل حاصل بسبب سيطرة الديمقراطيين على الأغلبية فيه. لكن الانقسام المطبوع بالاستقطاب الحزبي الشديد الذي ظهر خلال المناقشات والتصويت، يرسل بلا شك رسالة خاطئة تشجع الشعبويين ولا تردع تيار المتطرفين الذين تحدوا معقل الديمقراطية في واشنطن، وهزوا صورة أميركا ومؤسساتها.
هناك من يجادلون بأن تصرفات الرئيس في شحن أنصاره الذين اقتحموا الكونغرس قضت عليه سياسياً وأنه ربما كان من الأفضل تركه يحتضر بدلاً من ملاحقته بما يجعله «رمزاً وضحية» في نظر مؤيديه المتطرفين. لكن هناك تياراً قوياً آخر يرى أن دوره في أحداث الأسبوع الماضي لا يمكن غض الطرْف عنه، وأن عدم معاقبته سيبعث برسالة خاطئة له ولقاعدته الانتخابية وحتى للطامحين لخلافته، بأنهم يمكن أن يتجاوزوا كل التقاليد الديمقراطية، ويقوّضوا مؤسساتها. المشكلة أنه في الحالتين سوف تتعزز شعبيته بين أنصاره المتعصبين، وحتى لو منع من الترشح وتقلد أي منصب، فإنه سيبقى مؤثراً وسط قاعدته التي ستبحث عن رمز آخر تلتف حوله، وهناك كثيرون من أمثال السيناتور تيد كروز الطامحين للرئاسة ولركوب الموجة الشعبوية إذا كانت ستكسبهم هذه القاعدة.
اتخاذ خطوة لمحاسبة ترمب ربما كان ضرورياً، لكنه لن يكون وحده الحل للمشكلة الأكبر التي تواجه أميركا، وهي مشكلة أراها من شقين؛ الأول هو الاستقطاب السياسي الحاد الذي صار يطغى على كل شيء، وحوّل الكونغرس إلى ساحة مصارعة بلا ضوابط، تتعطل فيها مشاريع القرارات والميزانيات ومصالح الناس بسبب المناورات الحزبية. هذا الاستقطاب كان ظاهراً للعيان حتى في تصويت الكونغرس، وهو تصويت لو حكم الناس اعتبارات المبادئ، لجاءت النتيجة بالإجماع لصالح الإدانة لخطورة الجريمة وفداحة الاعتداء على القيم والمؤسسات الديمقراطية. لكن الاستقطاب الحزبي جعل أغلبية الجمهوريين يعارضون القرار، وإن كان كثيرون منهم في السر يرون فيه فرصة للتخلص من ترمب وإزالته من الحزب لا سيما إذا منع في الخطوة التالية في مجلس الشيوخ من شغل أي منصب فيدرالي في المستقبل.
الشق الثاني في المشكلة التي تواجه أميركا يتمثل في تيار الشعبوية المتنامي ومعه ظاهرة اليمين العنصري المتطرف والمعادي لمؤسسة الحكم. ترمب لم يخترع هذا التيار بل ركب موجته، وساهم في تأجيجه لحساباته السياسية. صحيح أن بعض أفكار هذا التيار ربما صادفت هوى في نفسه، لكنه عمد لتوظيفه لخدمة مصالحه السياسية وحساباته الانتخابية.
الهجوم الغوغائي على مبنى الكابيتول لا يمكن اعتباره مفاجئاً، فالكتابة كانت واضحة على الجدران لكل من يريد أن يتفكر ويتدبر. هل نسي الناس تيموثي ماكفي وتفجيره لمبنى فيدرالي في أوكلاهوما عام 1995 ما أدى إلى مقتل 168 شخصاً وجرح 680؟ صحيح أن أميركا حاكمت وأعدمت ماكفي، لكنها لم تواجه أو تقضِ على أفكار التيار المتطرف الذي قاده لجريمته.
المجموعات التي شاركت في الهجوم على الكونغرس، وهم خليط من العنصريين، والنازيين الجدد، واليمينيين المتطرفين، والمعادين للمؤسسة الحاكمة، وأنصار نظرية المؤامرة، والجهلة المغفلين، هم امتداد بشكل أو آخر لماكفي وللأفكار المتطرفة التي ظلت تنمو وتكبر طوال هذه السنوات. هؤلاء رأيناهم في استعراضات بالسلاح في شوارع بعض المدن، وفي تصديهم بالعنف للمتظاهرين في حركة «حياة السود غالية». هذه المجموعات وجدت ما يشجعها ويحرضها في خطابات ترمب وشعاراته، لكنها استفادت على مدى سنوات طويلة من عدم مواجهة السلطات لها ولخطابها العدائي والعنصري بشكل جاد.
المشاركون في اقتحام الكونغرس لم يكونوا خائفين من عواقب فعلتهم، فقد ظنوا أنهم باتوا محصنين وأن صوتهم أصبح مسموعاً. لذلك ظلوا يجاهرون منذ أشهر على شبكات التواصل الاجتماعي بأنهم سيعلنون الحرب إذا لم يفز ترمب في الانتخابات، وصعّدوا لهجتهم منذ إعلان نتائجها ووصفوها بالمزورة والمسروقة، معلنين عزمهم على تصعيد الاحتجاجات ونقلها إلى واشنطن لمنع عملية نقل السلطة. هؤلاء ليسوا مثل «الكوكلوس كلان» الذين كانوا يتخفون بلباسهم وأقنعتهم. المتطرفون الجدد دخلوا في تحد مكشوف للسلطات، وتحدثوا علناً عبر الأسافير عن رفضهم للمؤسسة الحاكمة مروجين لنظريات المؤامرة، حتى صدق بعضهم أنهم سيكونون قادرين على تنفيذ انقلاب يمنع نقل السلطة من ترمب إلى جو بايدن.
أميركا تحتاج إلى تحقيق أبعد من محاكمة ترمب إذا كانت تبحث عن معالجة حقيقية، وإلا فإن عليها أن تستعد لما هو أسوأ. فصعود الشعبوية وتنامي اليمين العنصري المتطرف حذر من مخاطره الكثيرون، والظاهرة بالتأكيد ليست قاصرة على أميركا، لكن ما يحدث هناك سوف يرسل إشارات مهمة سلباً أو إيجاباً.
هناك من يرى أن الأحداث الأخيرة مؤشر على أن أميركا تتآكل من الداخل، وأنها في طريق الانهيار وربما حرب أهلية، وهو رأي لا أتفق معه وأرى فيه شيئاً من المبالغة. فمشاكل أميركا موجودة في ديمقراطيات أخرى، وظني أن الديمقراطيات العريقة تبقى قادرة على تصحيح المسار إذا صلح حال الطبقة السياسية.
العالم يحتاج أميركا سواء أحببنا أم كرهنا. لكنه يحتاج أميركا راشدة لا أميركا متهورة، أميركا ديمقراطية تحكمها مؤسسات راسخة تحتكم إلى الدستور وصناديق الانتخابات، ولا تتحكم فيها الأصوات الغوغائية والشعارات الشعبوية.