22 فبراير 2021

أصحاب الفهم .. "الأعدقاء"

أصحاب الفهم .. "الأعدقاء"

كتب: محمد أحمد سالم

 

"لإشفاء رجال الأحزاب من مرض الحزبية ، علينا جمع 100 من كل حزب ، ويُصفُون في أزواج متقابلين ، وتُقاس رؤوسهم ، ثم يُوضع المتشابهون في حجم الرؤوس ، كلُ زوجٍ على حدة . يُستعان بجراح ماهر ، يقوم بشق رأس كل زوج من الحزبين المتناقضين ، بنشر الجمجمة ، ثم يجري تبادل أنصاف أقسام المخ بين الأحزاب ، فيوضع نصف كل مخٍ على رأس المنافس الحزبي ، وهذا يتطلب دقة فائقة من الجراح ، غير أن الشفاءَ مضمونٌ من داء الحزبية ، والنتيجة ، قاسم مشترك من التفاهم المعقول بين الطرفين". وتكون الحكاية في بيتها وأهو يبقى زيتنا في دقيقنا؟! و يكفوننا شرهم بسكوتهم عنَّا.

الكاتب او الاديب المفكر، لا يبيعك أفكارا جاهزة، بل هو ذلك الشخص الذي يدفعك للتفكير .. التفكير. الصحيح الذي يدفع الإنسان ثمنه في أحيان كثيرة، هذا بالضبط ما فعله استاذ كتابة الهجاء والتهكم في الثقافة الأنجلو سكسونية، وأحد رواد الكتابة الشعبية في العصور الحديثة. جوناثان سويفت (1667-1745) أديب ايرلندي  اشتهر بمؤلفاته الساخرة المنتقدة لعيوب المجتمع البريطاني في أيامه والسلطة الإنكليزية في إيرلندا. واشتهر في الثقافة العالمية بوصفه مؤلفاً لرواية رحلات غليفر التي عشقها الأطفال رغم أنها لم تكتب لهم أصلاً .سويفت بحديثه عن الوحدة - التفاهم - بين "الاعدقاء". دفعني دفعا لعادة مسلية قديمة وهي مطاردة العبارات الساخرة والجديدة ، ترى.. ما هي حقا.. الوحدة؟ إن سر الانتكاسة ولعبة البيضة والكتكوت تفصح عن مخفيها.  وتدخل من باب لا تعرف كيف تخرج منه.

فهل الوحدة اساس الشرعية.. والجميع تحت الاحتلال الصهيوني ؛ ام سلعة يستطيع الشعب الحصول عليها؟ أم أن هناك العاجزين عن ذلك؟ أما عندما تكون سيادتك ولا مؤاخذة- شبه مسؤول عاجزا ؛ ام الوحدة  بغيضة لأنها ضد المزايا الحزبية الجميلة؟  او شيئا مسلوبا من المواطن .هل الوحدة  تختار الشعب أم أن الشعب هو الذين يختار؟ ام .. هي شأن غير معلوم في بلادنا حيث لا تتحرك مياهنا الآسنة إلا بالصدف البحت، في زمن رجراج غير مستقر على المستوى السياسي الخارجي والداخلي، مع تحولات دولية تسبَّب فيها مجيء إدارة جديدة للحكم في الولايات المتحدة الأمريكية لا تشغلها المسألة الحقوقية لشعوب المنطقة بقدر ما يشغلها الخروج من المنطقة والعودة إلى المربع الأول المشغول بالمصالح الأمريكية- الصهيونية الآنية القادمة على صهوة المليارات البترودولارية، وحماية أمنها الداخلي بعد تورط في شئون مصيرية لا تحتمل تواطأت ؛ في منطقة وعرة شديدة العسر، يكثر فيها العداء وأعشاش الثعابين وأوكار الثعالب ووديان الشياطين والبوم والزوم وكلاب الروم وكل أفَّاك لئيم .. بوجود .كيان الصهاينة، باطل الأباطيل وقبض الريح، إن لم يكن هو الفساد نفسه.

فلم يعد من المفيد الحديث عما فعلوه. المفيد فقط هو أن نقول لهم: لقد حولتم بلدنا لأكبر منطقة قتل في العالم، لقد حولتم شطئها الي بركان و حبات رمالها إلى نار، وارضها الى مستوطنات وشوارعها الى جدار فصل عنصريا  . بكل معنى الكلمة، ووفرتم لكل صهيوني مبررا يقتل به مواطنا فلسطيني أو ينهب ارضه و ممتلكاته وأمواله. ويهدم بيته.

لكن .. ما زلت أتتبع القول بعد. يبدو أنني استطعت  الامساك بجزء صغير منه ، فالوحدة من يصنعها الناس عبر مجالسهم التشريعية المنتخبة انتخابًا سليمًا سلميٍّا حرٍّا ؛  الوحدة مصدرها القبول العام والأدوار التي تصنعها السياسات وليس الادعاءات. فتستطيع أن تقدم للناس روايتك الحزبية- الخاصة وتدعي أنها حقيقة. وقد يصدقك بعض الافراد ، بعض الوقت . لكن كم سيستمر هذا ؟ سنة ، سنتين ، عشرا ؟ ولكن. سيأتي يوم يعرف فيه الناس الحقيقة. ولله دور شوقي الذي قال يوما : وغدا يعلم الحقيقة قومي .. ليس شيء على الشعوب بسرا .

اللافت للنظر أن الناس غير موجودين في خطاب هؤلاء بالمرة، لم يسألوا عن رأي الشعب ، بل كانت مشكلتهم ، لأنهم أصحاب الفهم .. والأعدقاء؟! و كل من يسعى لإلغاء الآخر . لأنه يختلف بالرأي والموقف السياسي أو يريد المشاركة في - شبه حكم. فالشعب وحده يدفع الثمن  ولكن ، لن يكتفي بأن يشير فقط بأصابع الاتهام.

فمتى.. يتحد الشعب  ويحصل على الاستقلال والحرية بما فيها حرية العمل السياسي والوطني؟ عندما يتبنى الصادقين أمره. هذا هو ما يجب أن نفكر فيه؛ السياسة الواضحة .. الوحدة الوطنية ، والمعرفة ودرجة التعليم العالية والخبرة كلها أمور هامة ولكن قبل ذلك كله.. درجة احترام الذات . احترام كلمتك امام الشعب، فنحن بحاجة إلى تنفيذ أمين دون أن تكون هناك حجج ومبررات كالعادة؛  وأن يطلب من المسؤولين أن يكونوا أمناء في تحقيق الوحدة الوطنية ، و لمن يكررون أخطاءهم بالكربون ؛هؤلاء المرشحين لإدارة حياة شعبنا. بصراحة  قواعد اللعبة باتت معروفة لك أن تسعي لتحقيق الوحدة الوطنية الحقيقية و مصالح شعبك وقضيته .. أو أن تجلس في بيتكم مستمتعًا بجهلك و عجزك، فكل انحراف إلى زوال.