09 إبريل 2021

إكرام المسنين.. من جمعية خيرية الى ثقافة مجتمعية

إكرام المسنين.. من جمعية خيرية الى ثقافة مجتمعية


الكاتب: رولا سلامه
مع بدء تأسيس السلطة الوطنية الفلسطينية انتشرت بشكل كبير المؤسسات الأهلية غير الحكومية، والتي تعنى بتقديم الخدمات والتدريبات والارشاد والاستشارات والقروض والتمويل والاغاثة، وكذلك التوعية بالحقوق والقوانين للعديد من الفئات في مجتمعنا الفلسطيني.
وهذا لا يعني أنها لم تكن موجودة أصلا قبل اتفاق أوسلو، ولكنها لم تكن منتشرة كثيرا قبل ذلك، ولم يكن عملها معلنا ومتخصصا مثل الان، ولا يغيب عنا أن تلك المؤسسات كانت تتبع فصيلا سياسيا معينا في معظم الاحيان، وكانت تقوم مقام الوزارة أحيانا من حيث تقديم الدعم والارشاد للفئات العمرية المختلفة وبالمجالات التي تخصصت بها.
قد يكون حديثنا عن المؤسسات الأهلية وانتشارها واختلاف تخصصاتها واهتماماتها، يقودنا للحديث عن تخصص هام لا نسمع عنه الكثير في مجتمعنا، وزاد من ارتباطنا بأسرتنا الصغيرة والكبيرة على حد سواء، وهنا نتحدث عن التطوع لخدمة أجدادنا وجداتنا وكبار السن في اسرتنا ومجتمعنا، فهذه ظاهرة تميزنا بها قبل ما يزيد عن ثلاثين عاما، وكانت قد شكلت شخصيتنا وأثرت على أدائنا وانتمائنا وتعلقنا بمجتمعنا الفلسطيني.
قد تكون هذه المؤسسة التي سمعنا عنها وعن خدماتها لفئات المسنين والمسنات، قد تميزت بهذا المجال تميزا أثار دهشتنا ونحن نتابع وعبر صفحات التواصل الاجتماعي كل ما تقدمه وتنشره من انجازات كان أهمها الثقة والاحترام التي حظيت به في محافظة الخليل وغيرها من باقي المحافظات، وعندما ذاع صيتها، تقدم للتطوع بها عشرات الشبان لايمانهم برسالتها وسماعهم عن قصص نجاحها وتميزها.
نتحدث هنا عن جمعية اكرام المسنين في مدينة حلحول بمحافظة الخليل، خلية نحل لا تتوقف، شبان وشابات تطوعوا للعمل فيها لتقديم الخدمات لفئة نحبها ونحترمها وتعلمنا منها الكثير، قد نكون قد انشغلنا عنها بمعترك الحياة اليومية بكل تفاصيلها، ولكنهم في الجمعية لم ينسوا كبارنا وشيوخنا ومسنينا، تذكروهم وتواصلوا معهم.
يقول السيد أكرم مشعل وهو المدير التنفيذي لجمعية اكرام المسنين" هذه فكرة خطرت على بالنا أنا ومجموعة من الاصدقاء وطورناها، وأردنا أن نكون عونا وسندا لأبائنا وأجدادنا ممن تركوا لوحدهم"، والجمعية لديها الان أكثر من مئة متطوع من الشباب والشابات الذين انضموا للجمعية والعديد من المتبرعين الذين وثقوا بأدائهم وعملهم ومهنيتهم.
ويضيف المدير التنفيذي للجمعية" نحن نقدم الخدمة لما يزيد عن 1200 مسن ومسنه ونصلهم لبيوتهم في محافظة الخليل،وامتد نشاطنا لمحافظات رام الله والبيرة ونابلس".
قد يكون ما شاهدناه في الجمعية متشابه لحد كبير مع باقي الجمعيات، من حيث تقديم الخدمات لفئات عمرية مختلفة، ولكنا شاهدنا هنا مطبخا متميزا يقدم أجود أنواع الطعام للمسنين، يصل الى بيوتهم، ويوفر لهم احتياجاتهم من كراسي متحركة، أو أسرة كهربائية أو عادية، عكازات لمن هم بحاجة لها، أدوات مساعدة لمن يسأل عنها، حفاضات لكل مريض أو مريضه، والقائمة تطول فكل احتياجات المسنين ملباة بالكامل.
ليلى، شابة في مقتبل العمر،راقبناها وهي تتحرك كالفراشة في المطبخ، تتحرك يمينا ويسارا بخفة، وتحمل معها وجبات الطعام وتصفها بطريقة منظمة، وتكتب الاسماء على كل وجبة، ليأتي من يحملها لاحقا ليوزعها، تقول لنا" أستمتع جدا بما أقوم به، والتطوع شعور جميل وعظيم، وأشعر بسعادة لا توصف وأنا أجهز وجبات أجدادنا وجداتنا، فأقل واجب أن نهتم بهم ونخدمهم ونسعدهم."
شاب آخر وجدناه منهمكا بتحضير الطعام، فهو طباخ ماهر على مستوى الوطن، يستمتع بما يقوم له، ويشعر أنه يصل لكل مسن ويرسم الابتسامة على وجهه، ويقول لنا" أنا هنا لايماني أننا نقدم هذه الخدمات المتعددة لمن يستحقها، فهناك مسنين ومسنات لا يوجد لديهم أبناء، فنحن بمثابة أبنائهم، يشعرون بسعادة لا توصف عندما نطرق بابهم."
في زيارتنا للجمعية شاهدنا تميزهم، المطبخ يعمل بمهنية عاليه ونظافة وترتيب، القوائم جاهزة ولا تقتصر على المسنين والمسنات، فهناك العديد من الأسر المتعففه والتي لا تجد قوت يومها وهناك الاسر التي يوجد بها أفراد ذوي اعاقه، كلهم دون استثناء تصل لهم وجباتهم واحتياجاتهم على مدار العام .
فخلية النحل تعمل، والمتطوعون ينتشرون داخل وخارج الجمعية، وأهل الخير والمتبرعون يواصلون تقديم تبرعاتهم،فهذه الجمعية تعيدنا لما قبل تأسيس السلطة الوطنية الفلسطينية، حيث كانت المؤسسات والجمعيات تعمل كوزارة وتهتم بفئات مختلفة بالمجتمع الفلسطيني.
وقد نكون الآن بأمس الحاجة لنعود لتلك الفترة، فالوزارات والمؤسسات الحكومية لا تستطيع العمل وحدها في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة والسياسية المعقدة التي نعيشها في فلسطين، وفي ظل كورونا وما خلفته من مصائب وكوارث عديده، فالمؤسسات الخيرية والاهلية وغير الحكومية تشكل رافدا اساسيا وداعما لكل فئات المجتمع كل حسب احتياجه وظروفه.
ونحن على أعتاب شهر رمضان المبارك، شهر الخير والعطاء، تقف هذه المؤسسات شامخة معطاءة، تتحدى الظروف الصعبة، وتتطلع لمن يساندها ويتبرع لها ويدعمها لتواصل المشوار، فكونوا عونا لهم وساعدوهم ليستمروا بعطائهم وعملهم دون توقف .
الكاتبة: الاعلامية رولا سلامه هي مديرة التواصل الجماهيري والتثقيف في مؤسسة "جست فيجن " ومنتجة أفلام وثائقية ومعدة ومقدمة برنامج فلسطين الخير على فضائية معا . والمدير العام لمؤسسة فلسطين الخير ، المقال من سلسلة مقالات اسبوعية تتحدث عن فيروس كورونا والحياة في زمن كورونا وتأثيره على المجتمع الفلسطيني.