11 إبريل 2021

في تجارب الأسرى.. الشحاتيت مثلاً

في تجارب الأسرى.. الشحاتيت مثلاً

عصمت منصور

فجّرت قضية الأسير الفلسطيني منصور الشحاتيت، الذي تحرّر في بداية إبريل/نيسان الحالي، بعد 17 عاماً في الأسر في سجون الاحتلال الإسرائيلي، أمضى معظمها في العزل الانفرادي، موجةً من الاستهجان والصدمة والتعاطف، سرعان ما تحولت إلى حالة من الغضب، بسبب الكشف عن الأسباب التي أوصلته إلى حالة مأساوية (نفسياً وجسدياً)، وصلت إلى مستوى من التردّي، إلى درجة أنّه لم يعد قادراً على التعرف على والدته التي أفنت عمرها في انتظار عودته إليها.

وجاء الانتقال الحادّ من حالة التعاطف إلى الغضب والسخط، بعد نشر تقارير عن الأسباب التي أوصلت الشحاتيت إلى هذا الحال، ناسبة إلى حركة حماس وقائدها في غزة يحيى السنوار، المسؤولية عما آل إليه الشحاتيت، بعد الاعتداء عليه وطرده من أقسام الأسرى إلى أقسام العزل.

في ظلّ أجواء الانتخابات والتنافس الشديد بين جمهوري الحركتين الكبيرتين، فتح وحماس، تحولت القضية من مأساةٍ، يتحمّل مسؤوليتها الاحتلال أولاً، إلى مادة للدعاية الانتخابية وتسجيل النقاط والمناكفة، وهو ما أثار ردود فعل لا تقلّ سخطاً على الحركتين، واتهامهما بالاستهتار وتسخير كلّ شيء، بما في ذلك مأساة الأسرى، بغرض خدمة أجنداتهما الانتخابية، وكسب مقعد هنا أو مقعد هناك.

سارع الرئيس الفلسطيني محمود عباس، إلى تبنّي علاج الشحاتيت، وتطوع التلفزيون الفلسطيني الرسمي، في تضخيم الخبر، والذهاب إلى منزل الأسير المفرج عنه، وأظهره بصورة تتنافى مع أبجديات العمل الصحافي وأخلاقياته، بهدف انتزاع شكر من الأسير الذي لا يعي ما يدور من حوله، ليصبّ في رصيد الرئيس، الذي وضع نفسه في موقف محرج، وجرّ عليه موجة من التهكم والانتقادات من الناشطين على شبكات التواصل، بحكم أنّ من مسؤولية الدولة أن ترعى الأسير، وتتكفل بعلاجه، فالأمر لا يحتاج "مكرمة" خاصة.

الجزئية المتعلقة بسبب وصول منصور الشحاتيت إلى هذه الحالة، وبعيداً عن الاستخدام المقيت للقضية انتخابياً وإعلامياً، وتحويلها إلى مادة للمناكفة السياسية والتراشق، فتحت نافذة صغيرة للاطلاع على السلوك الداخلي للأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال، وتجربتهم الطويلة التي لا تخلو من الأخطاء، والتي دفع بسببها بعض الأسرى أثماناً باهظة.

إلى جانب الصفحة المشرقة والمضيئة والحافلة بالتضحيات التي جسّدها الأسرى الفلسطينيون داخل سجون الاحتلال، عبر تجربةٍ ربما تعتبر الأطول والأكثر غزارة في تاريخ حركات التحرّر في العالم، هناك جانب مظلم وأخطاء يجب الاعتراف بها، ومنها طرد الحالات التي يشتبه بتعاملها مع الاحتلال خارج الأقسام، أو النبذ الاجتماعي، أو اللجوء إلى أساليب العقاب الجسدي والردع.

صحيحٌ أنّ هذه الأساليب قديمة نسبياً، وقد تخلت عنها بشكل كبير فصائل منظمة التحرير أولاً، ولاحقاً حركة "حماس" التي تعد تجربتها أحدث من فصائل المنظمة، كما أنّ ظروف الاعتقال والحرب اليومية التي يخوضها الأسرى مع إدارة السجون الإسرائيلية لا تترك لهم الترف في الاختيار، إلا أن الصمت عنها ومداراتها وعدم الجرأة الكافية في فتحها والحديث عنها بشكل علني، خشية أن تشوّه صورة الأسرى وتنتقص منها ومن مكانتهم وتجربتهم، أو لئلا يُفهم من هذا إعفاء للاحتلال وسلطات سجونه من المسؤولية عن كل ما يتعرّض له الأسير، ما قد يحرم الفلسطينيين، ثائرين ومجتمعاً، من التمكّن من تملك رواية حقيقية كاملة لتجربة الأسرى، بسلبياتها وإيجابياتها، وهو ما سيبرّر الانتقائية ويباركها بتواطؤ من الأطراف كافة (حتى من الضحايا أنفسهم) التي تتصرّف وكأنها شريكة في السرّ، وهو ما سيجعلنا عرضةً دوماً للصدمة مع كلّ حالة تكشف مصادفةً، وسيملك الاحتلال أداةً يمكنه من خلالها ابتزاز الفلسطينيين، والطعن في روايتهم وتشويهها والتشكيك بها.

يذكّر هذا السلوك وحالة التستر على الأخطاء بتجربة الانتفاضتين، الأولى والثانية، والحروب التي كانت تشنّ على غزة، وكيف يصرّ الفلسطينيون على صياغة روايتهم بطهرانية لا تتفق مع صفات البشر وطبيعة الحياة. والخشية الحقيقية من وراء الإصرار على هذه الطريقة في التفكير، والعدائية تجاه النقد وفضح الأخطاء وعدم الجهر بها، هي بالضبط ما بات الفلسطينيون يواجهونه اليوم، وما تجلى في قضية الأسير الشحاتيت، استبدال الجرأة في التصدّي للأخطاء الفردية والجماعية، وفق معايير قيمية وأخلاقية متسقة وإنسانية، بهدف التخلص منها، وأخذ العبر اللازمة بموضوعية وحزم، بأساليب المناكفة والتصيّد، وإلقاء اللوم على الآخر، بغرض الإحراج السياسي وتراشق الاتهامات والشيطنة.

المطلوب اليوم هو التعالي عن التنافس الحزبي والنظرة الضيقة والانتهازية في الطرح، والتحلّي بالجرأة في الاعتراف بالأخطاء والاستفادة منها لضمان عدم تكرارها، لأنّ التواطؤ من خلال الصمت سيعني استمرارها وتركها مثل ندوبٍ على جسد شعب فلسطين، وتجربته الفريدة التي لا يمكن أن تكون كاملة وخالية من الأخطاء التي قد تصل إلى مستوى الجرائم.

أما عن مسؤولية الاحتلال، وشمّاعة أنّ اعتراف الفلسطينيين بأخطائهم قد يحرف الأنظار عن ممارساته وانتهاكاته، فلا يعدو أن يكون هذا الطرح تسكيناً للضمير والوجدان، وتبريراً سطحياً وثغرة في روايتهم وممارساتهم، ضررها أكبر من ضرر الدعاية المغرضة التي قد يلجأ إليها الاحتلال، والذي هو بحدّ ذاته جريمة، حتى لو وزع على شعب فلسطين الورد كلّ يوم، فالفلسطينيون هم الضحية وأصحاب الحق والتجسيد الحقيقي لكلّ القيم الإنسانية النبيلة، حتى وهم يخطئون ويصيبون.

ختاماً، ربما يكون الاعتراف بهذه الأخطاء أحد أكبر البراهين على إنسانيتنا - نحن الفلسطينيين - والتي تعتبر المحرك الأساس لنا للسعي والتضحية، ودفع كلّ هذا الثمن من أجل الحرية والكرامة.