02 مايو 2021

تطبيع الانتفاضة

تطبيع الانتفاضة

باسل طلوزي

 

أي قدسٍ يدافع عنها الفلسطيني الآن؟ قدس الجغرافيا أم قدس التاريخ؟ ليس هذا السؤال موجهاً إلى الفلسطيني الذي حسم إجابته منذ قرون، بل يوجّه إلى كائناتٍ أخرى لم تولد من الأرحام، بل من أكياس المال وأسهم البورصات.

نعلم أن لإسرائيل قدسها، وللسلطة الفلسطينية قدسها، ولعواصم التطبيع أقداسهم، بعد أن انحازوا جميعاً إلى لعبة الجغرافيا القابلة للحذف والتعديل وفق ما تشاء الأقلام والخرائط، غير أن حَملة الحجارة وحدهم نجوا من تلك اللعبة الغامضة، وفسّروا الجغرافيا بالتاريخ، فكسروا الأقلام ومزّقوا الخرائط كلها، وخرجوا مدفوعين بالأمل، لا باليأس كما يظن عرّابو الشؤم الذين حيّدوا الغربان عن نعيقها، وتولوا عنها المهمة. أعظم العرب تفاؤلاً هم فلسطينيو الداخل، على خلاف ما يعتقده الآخرون. وربما هذا ما يحيّر العالم حيال بعض الصور التي توثقها عدسات المصوّرين الذين ينقلون فعاليات الانتفاضات الفلسطينية، ومن جديدها تلك الصورة التي توثّق عملية اعتقال شاب مشارك في انتفاضة القدس قبل أيام، ترتفع فيها قامته أعلى من قامة جلاديه، وينظر بثقةٍ إلى غده، بينما ينبعث الذعر من ملامح الجنود الصهاينة المحيطين به. هي نظرةٌ تختصر القضية العالقة بين خصمين، يعرف كل واحدٍ منهما مصيره جيداً مهما تأخّرت لحظة الحسم، غير أن ما لم توثقه الكاميرات هو حياة هذا الشاب المكثّفة كحياة الفراشة، فقد يظنّ المحايدون أنه شابٌّ نذر حياته للنضال فقط، وسيجرّدونه تالياً من أيّ إضافات ومغريات أخرى تنسجم مع شرخ شبابه، على غرار نظائره المدرجين في هذه الفئة العمرية، غير أن صدمتهم ستكون بالغة، إن علموا أن هذا الشاب، مثلاً، قد يكون أعدّ العدة للحصول على شهادة عليا، أو لعقد قرانه على ابنة الجيران، أو أن لديه مخططاً لاقتناء سيارة. حدث ذلك سابقاً لمنفذي عمليات استشهادية، فمنهم من عقد قرانه قبل العملية بيوم، ومنهم من أكمل بناء بيت، ومنهم من قدّم أوراق قبول للجامعة التي يعتزم الدراسة فيها، على الرغم من أنه كان يعرف جيدًا أنه سينفذ عملية لا يعود منها، فكيف تستوي مثل هذه المعادلة في أعين اليائسين؟ هي معادلةٌ لا تستقيم لغير فلسطيني يعتبر الحياة والموت وجهين لحرية واحدة، ولا فرق عنده إن زُفّ إلى عروسه أو أرضه، فكلتاهما حبيبة، وكلتاهما تستحقّ الفداء بالدم.

لانتفاضة القدس أخيراً محمولات إضافية أخرى، وتحمل رسائل موجهةً إلى عواصم التطبيع التي تتهافت اليوم على خطب ودّ تل أبيب وواشنطن. ولا غرابة إن صدر أنين الحجر المقذوف على رأس جندي صهيوني، لا من الجندي نفسه، بل من تلك العواصم التي ساورها ظنٌّ عقيمٌ قوامه أن من شأن دفعها بثقلها وثقل خزائنها ودولاراتها إلى جانب المحتلّ والاعتراف به أن يرجّح كفة الميزان لمصلحته، وسيضيّق دائرة الأمل عند الفلسطيني الذي سيضطرّ عندها إلى قبول الأمر الواقع الذي يعني، بالطبع، الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، والرضا بفتات الجغرافيا التي "جاد" بها العدوّ لقاء اتفاقية سلامٍ تنتظر الإذعان لها من السلطة الفلسطينية التي يبدو أنها تهيئ قلمها "الأخضر" للتوقيع، بعد أن حجبت قلمها الأحمر عن كل الثوابت الفلسطينية الأخرى، وأهمّها حقّ العودة للاجئين.

باختصار، يطرح حملة الحجارة في القدس، الآن، اتفاقية "تطبيع"، لكنه تطبيع من نوع آخر. أقربه تعريفاً "تطبيع الانتفاضة"، وجعلها صفحةً يوميةً مشتركة مع العدوّ. وهي قابلة لإضافة ملاحق أخرى، مع استمرار تعاظمها وتغيّر الظروف، لكنها بالتأكيد لن تكون ملاحق تراجع أو إذعان أو خضوع، فقد فات أوان مثل هذه المصطلحات لدى الفلسطيني الذي لم يخلع قفاز التحدّي طوال قرن، فكل انتفاضة كانت تلد انتفاضة أخرى، وكل رصاصة تبعتها رصاصة جديدة، ولم يتغير سوى تفاقم الأعداء وأقزام التطبيع.