11 مايو 2021

هبّة القدس وتباشير التجديد

هبّة القدس وتباشير التجديد

 

نهاد أبو غوش

 

بصدور عارية ومشرعة للرصاص الحي والمطّاطي، وقبضات مرفوعة تلوّح بالتحدي والغضب، وحناجر صادحة بتكبيرات وخليط من أغان وهتافات دينية ووطنية ويسارية، تقدم جماهير القدس، وبخاصة شبابها، معادلة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي بأكثر صورها بساطةً وبلاغةً في الوقت نفسه: شعب أعزل إلا من الإرادة يدافع عن وجوده وكرامته الإنسانية أمام أعتى قوة احتلال غاشم. وسرعان ما يمتد لهيب الأحداث والمواجهات إلى المناطق المحتلة منذ العام 1948، ومختلف مناطق الضفة الغربية وقطاع غزة، وأماكن اللجوء الفلسطيني في بلدان الشتات والاغتراب. وباتت هبّة القدس واحداثها اليومية تطرق أبواب العواصم العربية والإسلامية كافة، مستنفرةً أشكالا متنوعة من التضامن، ولكنها، وهذا هو الأهم، هزّت الركود الذي سيطر على المشهد طوال العقد الفائت، وساهمت أيضا في تبدد أوهامٍ كثيرة نشأت بفعل اتفاقيات "أبراهام".

أربك الموقف إسرائيل، وعرفت شرطتها وأجهزة أمنها وحكومتها سلسلة قرارات مرتجلة سرعان ما تراجعت عنها، مثل وضع الحواجز ورفعها، ومنع دخول بعض الأمكنة ثم السماح بذلك، وتوفير غطاء لوجستي داعم لغلاة المستوطنين، وبعدها منعهم من تصدّر المواجهات، ثم إغلاق الشوارع المؤدية إلى المسجد الأقصى، ومحاولات منع فلسطينيي الداخل من الوصول إلى القدس ثم التراجع السريع عن القرار، وشن حملات اعتقالات جماعية يتلوها سريعا الإفراج عن معظم المعتقلين. ولعل مردّ الارتباك الإسرائيلي هو في عدم توقع الأوساط السياسية والأمنية تصاعد هذا المدّ الجماهيري العفوي، و"الثبات الملحمي في المكان"، حسب ما ورد في إعلان الاستقلال قبل 33 عاما بصياغة الشاعر محمود درويش، وكذلك بسبب الارتباك السياسي الناجم عن الحسابات المعقدة لحكومة نتنياهو، وهي حكومة تصريف أعمال غير مستقرّة، وكتل وأحزاب تزاود على بعضها بعضا، وتخطب ودّ المتطرّفين بإظهار تشدّدها تجاه الفلسطينيين والقضايا الساخنة، كموضوع السيادة على المدينة المقدسة.

تدرك الأوساط السياسية الإسرائيلية المختلفة، باستثناء غلاة المستوطنين والمتطرّفين، أمثال مجموعة لهافا وحزب القوة اليهودية الذي يقوده النائب الجديد في الكنيست إيتامار بن غفير، السائر على خطى الحاخام العنصري وداعية العنف، مائير كهانا، تدرك أن محاولات فرض سياسات وإجراءات جديدة لتغيير الوضع القائم في القدس والمسجد الأقصى تشبه اللعب بالنار، وقد جرّبت إسرائيل ذلك مرات، فانتقل لهيب الأحداث من المسجد الأقصى إلى كل القدس إلى عموم المناطق الفلسطينية. وأبسط ما يمكن أن يجرّ إليه ذلك هو الدخول في دورة جديدة من العنف والعنف المضادّ، ودخول الأراضي الفلسطينية المحتلة، مع مؤسسات السلطة، في حال من الفوضى التي قد تعصف بإنجازات سنوات من الهدوء والاستقرار، وتهدّد تنفيذ خطط ومشاريع تحسم مصير الأراضي المحتلة إلى الأبد، أبرزها خطة الضم الزاحف التي يجري تنفيذها عمليا من دون إعلانات صاخبة.

ولكن أطرافا أخرى، فلسطينية هذه المرّة، قد تشعر بالحرج والإرباك، نتيجة استمرار هبّة القدس واتساعها وخروجها عن سيطرة أية جهة، مع أن الهبّة/ الانتفاضة حظيت بكل أشكال الدعم المعنوي والمديح التي يمكن تخيلها من كل القوى السياسية من دون استثناء، فقد بدا واضحا، بكل جلاء، اتساع الفجوة بين القيادات الرسمية للسلطة والفصائل ومنظمة التحرير الفلسطينية وسائر مكونات النظام السياسي الفلسطيني من جهة، والأحداث المتصاعدة على الأرض، والتي تتخذ طابعا عفويا مستقلا عن إدارة أية جهة سياسية أو توجيهاتها.

مؤكّد أن منتسبي الفصائل السياسية الفلسطينية وناشطيها يشاركون كغيرهم في مواجهات القدس، ويمكن معرفة ذلك من أسماء المعتقلين ووجوه الناشطين التي تظهر في مختلف ساحات التصدّي لقوات الاحتلال والمستوطنين. لكن المؤكد أيضا أن الأحداث لا تخضع لتخطيطٍ مسبق، ولا لتعليماتٍ تأتي من رام الله وتونس، أو للجان التنسيق الفصائلي، ولا لقيادة أو غرفة عمليات يومية، تعطي توجيهاتها كما كان عليه الحال خلال الانتفاضة الأولى، بل تفرض أشكال التنظيم العفوي والذاتي، وأحيانا الارتجالي، على الهبّة بكل مراحلها. وهذا ما يعطيها قوة من ناحية، وخصوصا لجهة عمقها الشعبي، وصعوبة التأثير عليها باعتقال قياداتها، لكنّه يبقيها عرضةً لمناورات قوات الاحتلال الأكثر خبرة ووحدة وتنظيما.

تتسم هبة القدس بطابعها الشعبي العميق، إذ تشارك فيها مختلف الفئات والشرائح الاجتماعية والسياسية. ومن السهل تمييز مجموعات من المثقفين والفنانين والمهنيين والطلبة، إلى جانب المرابطين والمرابطات ممن اعتادوا الاعتكاف لأسبابٍ دينيةٍ في المسجد الأقصى، كما يتشارك الشباب والشيوخ، ونساء محجّباتٌ ومنقباتٌ وأخرياتٌ سافرات الوجه، ومسيحيون ومسلمون في فعاليات المواجهات كافة، بما في ذلك الطقوس الاحتفالية لوجبات الإفطار الجماعية التي غالبا ما تتحوّل إلى مواجهاتٍ مع المستوطنين والشرطة، وتلتحق أفواجٌ تلو الأفواج من فلسطينيي المناطق المحتلة عام 1948 بساحات المواجهة في الشيخ جرّاح والمسجد الأقصى.

جاءت أحداث القدس وقيادات المؤسسة السياسية الفلسطينية غارقة في إشكالاتها الذاتية، فخياراتها السياسية مربكة ومبهمة مع مجيء إدارة جو بايدن إلى البيت الأبيض، والتي لا تولي (حتى الآن؟) اهتماما كبيرا بالموضوع الفلسطيني، وعلاقات هذه القيادة مع الدول العربية متوترة ومحفوفة بالشكوك والهواجس، وأزمات علاقاتها الوطنية الداخلية تتفاقم مع انتكاس مسيرة المصالحة وإلغاء الانتخابات، ومخاطر العودة إلى أسوأ أيام الانقسام الذي قد يقود إلى انفصال دائم.

تحاول القيادات السياسية الفلسطينية اللحاق بالأحداث، أو ركوب الموجة ومسايرتها على الأقل، تارّة عبر فعاليات تضامنية ميدانية في المدن، على قاعدة "أضعف الإيمان"، أو عبر النشاط السياسي والدبلوماسي، وتوجيه رسائل وإيفاد مندوبين إلى دول العالم وقياداته، وطوْرا عبر إصدار بيانات وإطلاق نداءات تدعو الشعب إلى التصعيد، وأحيانا عبر إطلاق تهديداتٍ نارية بإشعال المنطقة، لكن النادر في هذه الفعاليات هو الانخراط أو الحضور المباشر إلى ساحات المواجهات، وذلك كله لا يفعل سوى أنه يكشف اتساع الفجوة بين القيادات والهبّة الشعبية العارمة التي باتت تقدّم نموذجا مختلفا ومبهرا للعمل السياسي الفلسطيني، يتسم بالحيوية والبساطة والالتصاق بالناس العاديين، نموذجا أقلّ ادعاءً وأكثر نجاعةً وأقل كلفةً على عموم الشعب الفلسطيني.

تجري هبّة القدس وتتعاظم خارج الأطر الرسمية للحركة الوطنية الفلسطينية وتنظيماتها التقليدية. وهي ليست الأولى في هذا المجال، فقد سبقتها حراكاتٌ وهَبّاتٌ وطنيةٌ واجتماعيةٌ لافتة، مثل إضرابات المعلمين وتحرّكات المحامين والأطباء وحراك الضمان الاجتماعي، وحراك "ارفعوا العقوبات عن غزة" في الضفة الغربية، وحراك "بدنا نعيش" في قطاع غزة، كل هذه الحراكات تميّزت بطابعها الجماهيري العارم، كما أنها كشفت مقدار التكلس والجمود، وأحيانا العزلة التي تعانيها الأطراف التقليدية للحركة الوطنية، وقياداتها التي ما زالت تمسك بالقرارات والموارد والمقدّرات. ربما لا يمكن لهبّة القدس، ومجمل هذه الحراكات، أن تفرز بشكل سريع قياداتٍ وأطرا جديدة أو بديلة للحركة الوطنية، لكن تباشير هذا التجديد تتضح يوما بعد يوم، وموجةً إثر موجة من الهبّات الشعبية المتواصلة.