06 يونيو 2021

"حوسة" في ذكرى النكسة

"حوسة" في ذكرى النكسة

خطيب بدلة

 

يعتقد كاتب هذه الأسطر أنّ ثقافتنا المعاصرة تحتاج، بين حين وآخر، إلى "حوسة" (مصطلح محلي يعني: تعزيل البيت، وتنظيفه، وتهويته)، وأنّ أول مفهوم أو مصطلح، يجدر بنا تنظيفه وتهويته هو "المليون". منطقياً، يستحيل أن يتفق عدد قليل من الناس في الرأي، حول قضية ما، أو تقييم إنسان معين، فما بالك بالملايين؟

أُنتجت أغنية "وين الملايين؟" في ليبيا، أيام معمّر القذافي، وهي من كلمات علي الكيلاني، وألحان عبد الله المنصور، غناء جوليا بطرس وأمل عرفة وسوسن الحمامي. تُقَدَّم الأغنية على نحو احتفالي، بهيج، وتطالب "الشعب العربي" بأن يغضب، ليس من أجل حريته وكرامته المهدورة، بل من أجل قضية فلسطين التي اعتاد الحكام الديماغوجيون المتاجرة بها.

الشاعر الغنائي الشهير، إسماعيل الحبروك (1925- 1966)، الذي كتب أجمل الأغاني لفريد الأطرش، وعبد الحليم حافظ، ومحرّم فؤاد، وصباح، وفايزة أحمد، ونجاة الصغيرة، وكارم محمود، ونازك، هو نفسه الذي كتب أغنية "يا جَمَال يا حبيب الملايين"، ولحنها موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب، وغنّاها العندليب عبد الحليم حافظ. دعونا الآن نسأل، أو نتساءل: كيف يكون إنسانٌ (من البشر) حبيباً للملايين؟ ما نوع الأدمغة والأنفس والأفئدة التي تمتلكها هذه الملايين حتى تجتمع على حبّه؟ جمال عبد الناصر، يا سيدي، واحد من الضباط المصريين الذين نفّذوا انقلاب 1952، وأزاحوا الملك فاروق، وصار رئيساً لجمهورية مصر. الرجل، للإنصاف، له خصال حسنة، فقد عُرف بنظافة اليد، والتواضع، والإخلاص، ولكنّ له أفعالاً سيئة، فقد أبعد، بالقوة، أول رئيس جمهورية متفق عليه، محمد نجيب، وحال دون إقامة نظام سياسي ديمقراطي يقوم على التداول السلمي للسلطة، وكان مستبدّاً برأيه، يعتمد الخطابة، والصوت الجهوري، في السيطرة على عواطف الملايين، متهوراً في اتخاذ القرارات المصيرية، بدليل وقوع هزيمة الخامس من يونيو/ حزيران 1967، في أواخر عهده.

إذا كان محبّو عبد الناصر في مصر وخارجها، وهم يعدّون بالملايين فعلاً، يَعرفون هذا عنه، ويحبونه، فهذا يعني أنّ المشكلة موجودة فيهم. وإذا كانوا لا يعرفونه، ويجهلون، في الوقت ذاته، ما كان يجري في المطابخ السياسية المحلية والدولية، نكون أمام حالةٍ من التخلف العضال، وأمة لا تتوافر لديها نيّة، أو تصوّر، أو قرار بتخطي واقعها، والانطلاق إلى مصاف الأمم الراقية.

ثمّة فكرة تراود محسوبكم على نحو ملحّ، وهي أنّ ما ألحقته سياسة جمال عبد الناصر الشعبوية بمصر من أذى، أقلّ بكثير مما ألحقته بـ"الشعوب العربية" الأخرى. السبب أنّ هاتيك الشعوب لم تلد رئيساً أو زعيماً يمتلك كاريزما قيادية مثل عبد الناصر. ومع ذلك، تقمّص زعماؤها شخصيته، وقرّروا أن يكونوا نسخاً منه، ولكن بالقوة. ولك أن تتخيّل كم من أبناء الشعب السوري قُتلوا على يد حافظ الأسد (وصدام حسين مثله) حتى أصبح فيه قادراً على إخراج مليون مواطن من بيوتهم، وإرغامهم على حمْل صوره واللافتات التي تشيد بانتصاراته وفتوحاته الكاذبة، والركض في الشوارع وهم يصيحون بالروح بالدم نفديك يا حافظ.

في أثناء انتخابات بشار الأسد أخيراً، عمد لفيف من المعارضين المقيمين في بلاد ديمقراطية، آمنة، إلى لوم ملايين الشعب السوري الذين يُجبرهم نظام الأسد على الخروج في مسيرات تأييد (لم تعد مليونية بسبب عمليات التهجير الكبرى التي حصلت خلال السنوات العشر الفائتة)، ناسين، أو متناسين، الآليات التي يتمكّن هذا النظام بموجبها من إجبار الناس، ومنها أنّ المخبرين في الدوائر الحكومية كانوا (يأخذون التفقد) في أثناء المسيرة، ومن يغبْ يتعرّض لمساءلة عن الجهات الإمبريالية التي يتعامل معها، وتَطلب منه أن يعادي الرئيس. وللعلم، لم تعد هذه العملية سرّية، ففي الانتخابات عبرت أمامنا لافتة تدعو الشعب السوري في دمشق إلى مسيرة تأييد مليونية، ومن ضمن العبارات المكتوبة عليها "سيؤخذ التفقد".