09 يونيو 2021

مع خطاب الضحية وضد خطاب النصر

مع خطاب الضحية وضد خطاب النصر


سمير الزبن

 

في قضايا الاستعمار والتحرّر الوطني، هناك مُستعمِر ومُستعمَر، ضحية وجلاد، معتدٍ ومعتدى عليه، ظالم ومظلوم. وبالتأكيد، هما ليستا قوتين متساويتين على طرفي جبهة حرب، تخوضان حربا فيها منتصر ومهزوم. تحديد الأساس المكون للصراع، وموقع الأطراف المتصارعة فيه، هو الذي يحدد طبيعة الخطاب السياسي الذي يحتاج إليه الطرف الذي يخوض الصراع، وتحديدًا عندما يكون هذا الطرف هو الضحية. وحتى لا يبقى الكلام في المجرّد والنظري، يمكن تحديد الصراع على الأرض الفلسطينية بوصفه صراعًا بين استعمار استيطاني اقتلاعي (وإجلائي) وشعب شُرّد الجزء الأكبر منه في حرب 1948 التي احتل خلالها الجزء الأساسي من الوطن الفلسطيني، وبنى عليه دولة إسرائيل. ولم يكتفِ المعتدي بذلك، بل عاد واحتل ما تبقى من فلسطين، فخضع الجزء الآخر للاحتلال في حرب 1967، إضافة إلى أجزاء من أراضٍ عربية أخرى. في هذا الصراع الممتد منذ أكثر من قرن، ليس من الصعب تحديد الضحية والجلاد. ولأن الفلسطينيين يشغلون موقع الضحية في هذا الصراع بامتياز، وبالتالي خطابهم خطاب تحرّر وطني، وهو ما يتطلب التعامل مع الصراع على هذا الأساس، بمعنى أن الجريمة الإسرائيلية واقعةٌ على الفلسطينيين بمجرّد وقوعهم تحت الاحتلال وخسارة الجزء الأكبر من وطنهم التاريخي. وهذا ما يمنح الفلسطينيين الحق في النضال من أجل الحصول على حقوقهم المشروعة في تقرير مصيرهم بأنفسهم، متحرّرين من الإسرائيليين. لأن القضية الفلسطينية ليست قضية تحرّر وطني عادية، بتركيبها المعقد، وعدوها ذي الطبيعة الاستثنائية، وكونها آخر قضية تحرر وطني، بعد إنجاز دول العالم استقلالها الوطني، في وقتٍ تنكر إسرائيل على الفلسطينيين أقل الحقوق، مع الاحتفاظ بتحكّمها كمحتل بحياة الفلسطينيين، حتى بعد انسحابها نظريًا من أرضهم، كما جرى ويجري مع قطاع غزة بعد أكثر من 16 عامًا على الانسحاب منه.

تغيب بديهيات الصراع هذه في لحظات الحماس التي تسعى إلى تصوير الواقع على غير حقيقته، ومنح النفس موقعا وقوة غير موجودين في الواقع، إنما هي رغباتٌ تُسقط على واقع متعب ومحطم، لا تخدم القضية. وفي مثل هذه اللحظات، يأتي الخطاب الشعبوي، ويرفع من وتيرته عاليًا، ليسوق وهمًا عند الضحايا أنهم مساوون لعدوهم في القدرة على الردع وإيقاع الأذى بالعدو، كما كان شعار "توازن الرعب" القديم الذي أطلقه خالد مشعل عندما شغل منصب رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، أو الاحتفال بالنصر بالجلوس على كنبة فوق الخراب الذي أحدثه القصف الإسرائيلي أخيرا على قطاع غزة، كما فعل يحيى السنوار رئيس المكتب السياسي لحركة حماس في قطاع غزة.

لا أرغب في أن أكون ضد المزاج العام الذي يبحث عن إنجازٍ ما يمنحه الأمل، لكن الخطاب الشعبوي لا يمنح الأمل بقدر ما يُسوّق الوهم. خطاب الانتصار شعبوي بامتياز، ولا أعتقد أن هذا النوع من الخطاب يناسب صراع الضحية مع جلادٍ يرتدي ثوب الحمل، كما هو حال الصراع مع إسرائيل.

اختلال ميزان القوى الفادح لمصلحة إسرائيل يجب ألا يثني الفلسطينيين في صراعهم معها. وليس للسلاح الدور الحاسم في الصراعات الممتدّة، والتي تتعلق بحقوق البشر ومحاولة سحقها بالقوة العارية للسلاح، فهناك حدودٌ لاستخدام السلاح لإنجاز الأهداف السياسية، وفي صراعٍ مركّبٍ ومعقد مثل الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي، من الممكن تحويل السلاح إلى عبء على صاحبه، أو تحييده في الصراع إلى حد كبير، ومنع إسرائيل من استخدامه بالطريقة التدميرية التي شهدناها في الحروب على قطاع غزة. ولنا في الانتفاضة الأولى دروسٌ وعبر في هذا السياق. طبعًا ليس المطلوب استنساخ التجربة السابقة، لأن التجارب يستفاد منها ولا تتكرّر، والتكرار يحولها إلى سخرية. وهذا لا يعني عدم استخدام الكفاح المسلح في مواجهة الاحتلال، لكن من المهم كيف ومتى؟ ومتى يكون أسلوبًا مفيدًا، وليس أسلوبًا يلحق الضرر بقضيتي. وبالتالي، على وسائل النضال التي تستخدمها الضحية أن تتناسب مع خطابها السياسي بوصفها ضحية.

من هنا، يجب إعادة النظر في تموقع أطراف الصراع في الخريطة الصراعية، بمعنى، ليست صحيحة الصورة التي تعطيها "حماس" للصراع، أنها بين طرفين، وأنّ الحركة ندٌّ لإسرائيل قادر على إيقاع الهزيمة بها. يناسب هذا الخطاب إسرائيل، بتصوير الصراع بين طرفين متساويين، بل أكثر من ذلك، تصوير ذاتها الطرف المعتدى عليه، والذي يدافع عن نفسه. في الوقت الذي تشكل اعتداءاتها على غزّة عملية قتل وتدمير ممنهجة لشعبٍ أعزل، يدافع عن نفسه بالوسائل المتاحة، مقابل عدوانية منفلتة من عقالها، تخرس سلطات العالم الرسمية ودولها أمامها.

كان مقدّرًا للهبّة الشعبية أن تتطوّر، أو أن تكون حلقةً في سلسلة حلقاتٍ نضاليةٍ في مواجهة شراسة الاحتلال وجرائمه، وهي أسلوبٌ مبدعٌ في الكفاح الشامل ضد إسرائيل وحّد التجمعات الفلسطينية، خصوصا داخل فلسطين التاريخية. ومن أفضل ما جاء به، أنه أسلوبٌ كفاحيٌّ ناجح بلا أب فصائلي. لم يكن من الصحيح الدخول على هذا الحراك، بتحويل اللحظة التاريخية إلى لحظة صدام مسلح، والبدء مباشرة في البحث عن اتفاق وقف إطلاق نار.

تقدّم الهبّة الشعبية في مواجهة الاعتداءات الاستيطانية المحمية من السلطة في إسرائيل في حي الشيخ جرّاح في القدس المحتلة، درسًا ثمينًا في اجتراح آليات نضالٍ في مواجهة إسرائيل، قادرةٍ على تأسيس الصراع، المرّة بعد الأخرى، على مكوناته الأساسية التي سيُحسم فيها الصراع، صراع الضحية والجلاد. فهذا أكثر ما تحتاجه القضية الفلسطينية اليوم، إطلاق الحريات الكفاحية للشعب الفلسطيني، وكفّ يد الفصائل عن احتكار العمل الوطني، واتخاذ فصيلٍ واحدٍ قراراتٍ مصيريةٍ، يضع كل الوضع الفلسطيني في سياق، مختلف مع سياق نضاله، (ولا أريد أن أقول متناقض).

ولّدت الهبّة الشعبية زخمًا أعطى الفلسطينيين أملًا أكبر من صواريخ حركتي حماس والجهاد الإسلامي. وما أتمناه، ألا يتم استخدام هذه الصواريخ في المرات المقبلة، بما يتناقض مع وسائل نضال شعبية فلسطينية واعدة. إننا بحاجةٍ لإعادة الصراع إلى مكوناته الأساسية أكثر من أي وقتٍ مضى، وهو وحده، وعبر الكفاح الشعبي المبدع، القادر على إنجاز ذلك. تستطيع الفصائل أن تُساعد في ذلك، كما أنها، للأسف، تستطيع أن تُجهضه.