10 يونيو 2021

هل قتل كورونا حلم الاتحاد الأوروبيّ بالحدود المفتوحة؟

هل قتل كورونا حلم الاتحاد الأوروبيّ بالحدود المفتوحة؟

فلسطين 24- في ما يلي ترجمة بتصرّف، خاصّة بموقع "عرب 48" لمقال الكاتب والمعلّق السياسيّ، نيك تايرون الذي أدار في السابق مركز "سنتر فورم" للأبحاث ذو التوجّه الليبراليّ الديمقراطيّ، كما ألّف العديد من الكتب.
قالت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين: "يجب ثني (الناس) عن القيام بالرحلات غير الضرورية داخل البلاد، وعبر الحدود بالطبع". وبسبب أزمة فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19)، يبدو أن حلم الحدود المفتوحة على امتداد أوروبا، لم يكن أكثر عرضة للخطر مما نشهده اليوم. في غضون ذلك، تتمتع بريطانيا بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي بالقدرة على التحكم بحدودها بقدر ما تختار. وبالنسبة لمؤيدي "بريكست"، فإن هذا وحده كفيل بأن يجعل بريكست مُستحقًا.
وُقِّعت اتفاقية "شنغن" في عام 1985 وتبناها الاتحاد الأوروبي عام 1999، مما يعني أنه منذ ذلك الحين، كان على أي دولة غير رافضة للاتفاقية، أن تسمح بحرية تنقل الأشخاص من أي دولة موقعة أخرى إليها، وهي تقريبًا جميع الدول الأوروبية المتبقية في الاتحاد. وكانت بريطانيا وإيرلندا من بين الدول القليلة داخل الاتحاد الأوروبي التي رفضت ذلك، مما يعني أنه في حين أن حرية التنقل كانت لا تزال سارية لسكان بقية الاتحاد إلى هذين البلدين، فقد خُففت بسبب القدرة على إجراء فحوصات لجوازات السفر. وكان الحدس الذي دفع بريطانيا لرفض شنغن، هو ذاته الذي أدى إلى خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بعد عقدين على رفضها هذا.
وفي خضمّ أزمة صحية تجعل الحدود المفتوحة تبدو حلمًا طوباويا، يرى البعض أن بريطانيا ما بعد بريكست، على الجانب الصحيح من التاريخ في ما يتعلق بحرية التنقل، ففي حين تجد دول الاتحاد الأوروبي نفسها مضطرة لمحاولة تنسيق مخرج من أزمة الجائحة المرتبطة بالحدود، بكل ما يحمله ذلك من متاعب وتنازلات، فإن بريطانيا المستقلة حديثا تتمتع بالحرية في اتخاذ أي خيارات تريدها، ومن أجلها وحدها.
أما وقد قُلنا ذلك، فهناك عدة نقاط مهمة تجدر الإشارة إليها هنا؛ أولًا، أصبح السفر إلى أي مكان كان، يمثل مشكلة في الوقت الراهن. بعبارة أخرى، حتى لو كنا لا نزال في الاتحاد الأوروبي، فإن السفر إلى فرنسا ليس الشيء الوحيد الذي سيكون محظورا عليّ، إذ ليس بوسعي الذهاب إلى مقاطعة كينت حتى، بسبب قوانين الإغلاق. ففي واقع الأمر، ليس المأزق في الوقت الحالي بالحدود المفتوحة بقدر ما يتجسد بحقيقة أننا اضطررنا إلى تقييد الناس في مناطقهم بشكل مُطلق. قد تبدو حدود الشنغن فكرة سخيفة في ضوء كل هذا، ولكن فقط لأن أحدًا لا يستطيع مغادرة منزله، دون علاقة بموطنه.
ثانيًا، لن يستمر كوفيد-19 معنا إلى الأبد حمدًا لله. ما نشهده هو مشكلة مؤقتة على عكس بعض الطعون اللانهائية المضادة لنموذج شنغن. فالحدود وُجب إغلاقها عبر أوروبا بسبب الجائحة؛ ولكنها ستُفتح مرة أخرى بمجرد احتواء فيروس كوفيد-19، مهما استغرق الأمر. بمعنى آخر؛ هذا تحول مؤقت في المنظور للهجرة داخل الاتحاد الأوروبي وليس بتغيير دائم. إنه لا يثبت ولا يدحض صلاحية نظام شنغن.
ويجب أن يدرك مؤيدو بريكست أيضًا، أن ذات الحجج التي أدت إلى إغلاق الحدود عبر أوروبا بسبب فيروس كورونا، تتماشى مع تلك التي طُرحت حول تقييد الحريات المدنية وعمليات الإغلاق المستمرة بلا نهاية منظورة. وكما هو الحال دائمًا، يبقى ما يعنيه بريكست من حيث الحمائية مقابل مجازفات التجارة الحرة، والانفتاح مقابلة الانغلاق، قيد المناقشة. وقد ينوه مؤيدو بريكست هنا، إلى أنه في عالم ليست بريطانيا فيه جزءًا من الاتحاد الأوروبي، يُترك الخيار لشعب هذا البلد فقط كحدٍّ أدنى.
وفي النهاية ما أريد قوله هو إنه على الرغم من سيطرتها الكاملة على الحدود، لم تفعل الحكومة البريطانية الكثير بشأن ذلك حتى الآن. ربما يكون إصدار الأحكام عليها في غضون أسابيع قليلة أمرًا غير عادل، لكن لا بد أن نتساءل عن سبب عدم إجراء الحكومة الفحوص الأساسية التي كان يُمكن تنفيذها حتى عندما تكون حرية الحركة ليست مُفعلة بشكل كامل في بريطانيا ما بعد بريكست. ناهيك عن مسألة عدد القوارب التي تصل إلى دوفر والمليئة بالمهاجرين. ويبدو حتى الآن أن بريكست لم يقلل من حركة الناس هذه.
إذن، هل يُمكن القول إن سياسة الحدود المفتوحة للاتحاد الأوروبي قوّضت حربه ضد كوفيد-19؟ لست مقتنعًا بذلك. إن إغلاق الحدود بسبب الفيروس لا يُثبت صحة الادعاء الرافض للحدود المفتوحة، أكثر مما تثبت عمليات الإغلاق الادعاء بأن إبقاء الناس في منازلهم هو الأمر الصحيح الذي يجب فعله دائمًا مهما كانت حالة تفشي الفيروس. أظهرت الفترة التي تلت بريكست حتى الآن، أنه لمجرد أن الحكومة البريطانية تسيطر على شيء ما، فهذا لا يعني أنها ستتخذ الطريق الرشيد دائمًا بشأن سيادتها الجديدة.
على العموم، بريطانيا بريكست أمامها طريق طويل لتقطعه حتى تثبت قدرتها على الاستفادة الحقيقية والواسعة من الاستقلالية التي يوفرها بريكست، وبخاصة عندما يتعلق الأمر بحدود الدولة. وفي خضم ذلك، فإن استمرار قيود كوفيد-19 قد يتمتع بجانب إيجابي واحد على الأقل للحكومة البريطانية؛ وهو أن المشاكل التي ينطوي عليها تواجد بريطانيا خارج الاتحاد الأوروبي بالنسبة للسياح البريطانيين، ستطلب بعضًا من الوقت قبل أن يشعروا بها.
يتبقى أن نرى مقدار ما تعنيه السيادة حقًا للناس أثناء وقوفهم في طوابير لمدة أربع ساعات في مطار مالقة. إن الإبقاء على حدود أكثر انفتاحًا لنهج يجلب معه المساوء والحسنات على حد سواء، وهذا ما سنعرفه بعد انتهاء هذه الأزمة.