13 يونيو 2021

حماس ومسلسل التنازلات الأخلاقية

حماس ومسلسل التنازلات الأخلاقية

نبيل البكيري

 

ولدت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) مع تفجّر انتفاضة الحجارة، وأعادت بتأسيسها الأمل المفقود عربياً بإمكانية المناجزة، واستعصاء الشعب العربي الفلسطيني على الذوبان والخضوع لشروط المحتل المذلة والمهينة. كبرت "حماس" الجماعة، وغدت حركة مقاومة فلسطينية إسلامية، يدوي اسمها في أرجاء العالم، معيدة بذلك الاعتبار للخيار المقاوم للشعب العربي الفلسطيني، خياراً وحيداً للتحرير والاستقلال، وإنهاء حقبة الاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي الغاشم، بالمقاومة ولا شيء غيرها.

استطاعت هذه الحركة، في فترة وجيزة، أن تتمدّد في الداخل والشتات الفلسطينيين، مسجلة بذلك مرحلة جديدة للكفاح الفلسطيني؛ الكفاح الذي يستند على مبدأ القيم الأخلاقية العادلة في مواجهة كلّ صنوف القبح الهمجي والإجرامي، لدولة الكيان الإسرائيلي وكلّ داعميها ورعاتها الدوليين>

وككلّ حركات المقاومة والتحرّر في التاريخ، تمكّنت "حماس" من شقّ طريقها الصعب في دروب الكفاح السياسي والعسكري والتربوي والإعلامي والثقافي، على الرغم من حالة الفوضى العارمة التي تعيشها الحالة الفصائلية الفلسطينية، وكانت أحد أهم أسباب التراجع الكبير في مسار القضية الفلسطينية. واستطاعت "حماس" أن تستمر رافضة خيارات السلام المزعوم، على الرغم من كلّ التحدّيات الكبيرة في طريق المقاومة، لكنّ عدالة القضية الفلسطينية، وإطارها الأخلاقي الواضح، كانا أهم دعائم بروز "حماس" وتجذّرها في المشهد السياسي الفلسطيني، على مدى عقود ما بعد الانتفاضة.

لكنّ هذا المسار النضالي الفدائي المقاوم لـ"حماس" حركة مقاومة وطنية تحريرية، يبدو أنّه لن يستمر، في ظل تعقيدات وإكراهات كبرى في هذا الطريق، وفي مقدمتها القبول بالمسار السياسي الانتخابي الذي وقعت فيه الحركة منذ قبولها الدخول في اللعبة الديمقراطية التي أفرزت فوزها الكبير في انتخابات العام 2006، فقد كان قبول "حماس" بالانتخابات حينها يعني أنّها تقبل حتماً مترتبات "أوسلو" التي ترفضها تماماً. ثانياً، عملت هذه الانتخابات على تقسيم الشارع الفلسطيني بين مشروعين متناحرين فلسطينياً، ساهما في تفتيت الوحدة الوطنية الفلسطينية وتمزيقها. ثالثاً، وهو الأخطر، ما يتعلق بدخول "حماس" مرحلة التنازلات، ومن ثم التحول من جماعة مقاومة إلى جماعة سياسية، مثل غيرها من الأحزاب السياسية البراغماتية، فقد أثر قبول الحركة بالعمل السياسي، بشكل كبير، على سردية الحركة التي كانت ترتكز على فكرة المقاومة والمقاومة فقط. ومن هنا، بدأت سلسلة التحولات الكبيرة، في مسيرة "حماس" وتنازلاتها التي تتعامى عنها قيادتها، وفي مقدمتها التشويش على إرادة المقاومة، وإمكانية رهنها لمن يمكنه تقديم أيّ شيء لهذه المقاومة، من دعم وإسناد.

ومن هذا الباب، بدأ مسلسل التنازلات التي تقدمها "حماس" خصوصاً في ظلّ حالة الخذلان العربي، والتراجع الكبير في دعم القضية الفلسطينية، ما سهل لقوى إقليمية، كإيران، الاستثمار الكبير في هذا الملف الذي شكل واحداً من أهم الملفات التي مكّنت إيران من التمدّد والاستثمار بهذا الملف، وهو ملف القضية الفلسطينية.

صحيحٌ أنّ "حماس" استمرّت فترة طويلة، وما زالت، تردّد دائماً أنّها لا تتدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية، ولا ترهن قرارها لأيّ أحدٍ من داعميها، وهو ما حاولت جاهدة، طوال أحداث ثورات الربيع العربي، أن تنأى بنفسها عنه، لكنّها، في ظلّ التعقيدات والتحولات الكبيرة التي تمرّ بها المنطقة، لم تصمد في مسك العصا من المنتصف.

ربما نجحت "حماس" في الاختبار الأول لها مع الثورة السورية، لكنّ مآلات وضع هذه الثورة دفعت "حماس" مرة أخرى للعودة إلى التواصل مع النظام السوري الفاقد القدرة على إدارة نفسه، فكيف يمكنه تقديم شيء ما لـ"حماس" ذاتها، التي تشهد، هي الأخرى، حالةً من التضييق العربي عليها، خصوصاً في دول خليجية ترى "حماس" منظمة غير مرغوبة لاعتبارات عدة، في مقدمتها ذريعة التحالف "الحمساوي" مع إيران، وإخوانية الحركة، وغيرها من مبرّرات جاهزة.

لكنّ الاختبار الحقيقي، الذي ربما سيسهم في توسيع الهوة بين حركة "حماس" وشعوب المنطقة العربية الأخرى في سورية واليمن ولبنان والعراق هو حالة العلاقة مع المشروع الإيراني الذي يتمدّد في هذه البلدان التي أسقطتها مليشيات هذا المشروع الطائفية، وهو اختبارٌ حقيقي وواقعي، مليء بالإكراهات لهذه الجماعة التي ربطت مصيرها بالتمويل والدعم الإيرانيين، على الرغم من أحاديث كثيرة عن ضآلة هذا الدعم وعدم تجاوزه التدريب الاستشاري.

صحيحٌ أنّ ثمّة من يجد مبررات لـ"حماس" بالقول إنّ إيران هي من دعمت وتدعم المقاومة الفلسطينية بالمال والسلاح، وهذا مبرّر ليس كافياً على الإطلاق، في ظلّ أنّه دعم معروفة مسبقاً أهدافه ومراميه، وهو أن يشكل غطاء للممارسات الإيرانية في المنطقة العربية التي أسقطت دولاً قائمة، من خلال ورقة هذه الأقليات الطائفية، وتحت شعار الطريق إلى القدس يمرّ عبر بغداد ودمشق وصنعاء وبيروت، وغيرها من العواصم العربية.

بمعنى آخر، إنّ غضّ "حماس" طرفها عن كلّ هذه الممارسات ينزع عنها (الحركة) حسها القيمي ومعاييرها الأخلاقية، بوصفها حركة تحرّر وطني، ولا يمنحها ذلك مطلقاً فكرة التماهي مع مشروع طائفي تدميري للمنطقة العربية، والذي يتخذ من شعارات المقاومة وسيلةً للإغواء والإلهاء عن ممارساته الإجرامية التي أدّت إلى تصفية عشرات الآلاف من الأبرياء المدنيين، ومثلهم من المعتقلين، وملايين المشرّدين عن ديارهم، وملايين اللاجئين أيضاً.

لم تعد مثل هذه الممارسات مجرّد أخطاء سياسية، بل وصلت إلى مرحلة الخطايا الأخلاقية، التي تضرب منظومة القيم النضالية، خصوصاً حينما يتم تسويقها بتصريحات ومواقف هنا أو هناك من قيادات "حماس" العليا، كتكريم ممثل "حماس" في صنعاء، معاذ أبو شمالة، أخيراً، قيادياً مليشياوياً حوثياً، بدرع الحركة. وقبل هذا، وصف رئيس المكتب السياسي للحركة، إسماعيل هنية، قائد فيلق القدس، قاسم سليماني، عند اغتياله بأنّه "شهيد القدس". وقد صدم هذا التصريح ملايين العرب والمسلمين الذين نالهم من إجرام سليماني ومليشياته الكثير، في سورية والعراق ولبنان واليمن وأفغانستان وباكستان وغيرها من مناطق انتشار مليشيات هذا الرجل.

"حماس" اليوم في موقف لا تُحسد عليه، ومبرّراتها لن تشفع لها في المضيّ حتى النهاية في خط المشروع الإيراني، على حساب دماء العرب ودولهم التي دمرت. عليها مراجعة أدائها جيداً والعودة إلى البدايات النضالية الحقيقية التي تستند على عدالة القضية، وليس إلى براغماتية المصالح الآنية التي ستحولها إلى مجرّد حركة سياسية براغماتية مثل غيرها. وحينها لن تجد شيئاً تقدّمه أو تقوله، سوى أنّها محكومة بمصالح الحركة، لا قيم (وعدالة) القضية الفلسطينية التي بدأت تجتاح العالم بعدالتها ونبلها وشرفها وطهرها، كما رأينا أخيراً. أما موازين القوى فكلّها في صالح العدو الإسرائيلي الذي يفتقد لعدالة قضيةٍ يقاتل من أجلها، على العكس مما يملكه الشعب الفلسطيني.