13 يونيو 2021

الإمارات وإعادة إعمار إسرائيل

الإمارات وإعادة إعمار إسرائيل

باسل طلوزي

 

 

لا شأن لنا بأنشطة السفير الإماراتي لدى إسرائيل، محمد محمود آل خوجة، على قاعدة "ما زاد حنونُ .." حبة خردلٍ فوق ما اقترفه أسياده في أبوظبي، غير أني أجد نفسي مرغماً على افتراض سوء الظنّ بطويّته، لا لأنه اختار أشدّ الأوقات حساسيةً لدى الفلسطينيين، وأحرار العالم المتضامنين معهم، عقب مجازر غزّة وانتصار المقاومة، ليرتكب "نشاطاتٍ" أقلّ ما يقال فيها أنها تجاوزت حدود التطبيع، بل لأنها تجيء نكايةً بهذا الانتصار، ولإظهار التعاطف الفجّ مع الشقيق "الصهيوني" ضدّ العدو "الفلسطيني"، وهذا هو الأرجح في رأيي.

واضح أن آل خوجة سفير "تحت العادة"، لأن سفراء ما فوقها يتأبّون زجّ أنفسهم في أنشطةٍ شكليّة، كحضور مباراة نهائي كأس إسرائيل لكرة القدم برفقة الرئيس الإسرائيلي، إلا إذا كان المقصود أن سعادة السفير حرق مراحل التطبيع برمّتها، ولم يبق ما يملأ فيه ساعات ضجرِه غير حضور مباراةٍ لا ينحاز فيها إلى فريقٍ على حساب آخر، أو لأنّ "سعادته" يبحث عن أي فوزٍ يعوّضه عن خسارته بهزيمة الآلة العسكرية الإسرائيلية في غزّة.

من غير المفهوم أن يتجاوز سعادته أحزان غزّة التي تستدرّ دمع الملائكة أنفسهم على ضحاياها، ويختار عوضاً عن ذلك أن يلهث وراء حاخام إسرائيل الأكبر، شالوم كوهين، في منزل الأخير في مدينة القدس (غير المحتلّة بالنسبة إلى السفير)، للتبرّك به، وليتجاذبا معاً أطراف الحديث عن "الاتفاقات الإبراهيمية ومدلولاتها التاريخية". وأجدني أيضاً ميّالاً إلى تصديق ما أكدته جمعيات استيطانية إسرائيلية متطرّفة عن دعوتها السفير الإماراتي إلى المشاركة في اقتحام المسجد الأقصى، على الرغم من نفي صندوق إرث جبل الهيكل هذه الأنباء، بدليل أن السفير نفسه لم ينفِ الخبر.

ولا أدري كيف تحرّكت مشاعر السفير المرهف، وعبّر عن صعقته "المهولة" عندما وقعت عيناه على مسجد في تل أبيب، فاندفع إلى كتابة تغريدةٍ توثّق "الصعقة" بقوله: "صعقتُ بمشاهدة الحياة في إسرائيل، ناس دافئين، ما توقعت أشوف مسجد". في حين أن سعادته لم "تصعقه" كل المخططات والمؤامرات التي حيكت وتحاك ضد المسجد الأكبر (الأقصى) الذي يعدّ من أهم محرّكات الصراع الإسلامي الصهيوني، فعن أي "دفءٍ" بالضبط يتحدّث سعادة السفير؟

غير أنني سأكون منصفاً آل خوجة، مرجّحاً أن حماسته التي تجاوزت أنشطة التطبيع بمراحل، لا تصدر عن بنات أفكار محض سفير "تحت العادة"، بل ثمّة أوامر "فوق العادة" تحرّكه من هناك، لا من "بيت إبراهيم" هذه المرّة، بل من "بيت أبي رغال"، تطالبه بحرق المراحل كلّها، وصولًا إلى النوم مع إسرائيل في فراش واحد، فالمطلوب، في هذه المرحلة "الرغاليّة"، إعادة إعمار إسرائيل، لا غزّة، بالنسبة إلى الإمارات ومن سلك مسلكها، لا بالمعنى الإنشائي البحت، بل المطلوب إعادة ترميم صورة إسرائيل التي هشّمها عدوانها أخيراً على غزّة أمام العالم الذي بدأ يستيقظ على خديعته الكبرى بهذا الكيان العنصري الذي هيّأ له كل أسباب الديمومة والطغيان، فاكتشف أنه كان يربّي وحشاً ضارياً قابلاً للفتك والابتلاع. المطلوب إعادة الاعتبار لإسرائيل وإظهارها بمظهر الدولة "المتحضّرة"، "الدافئة" التي تحرص على بناء المساجد لأقليتها العربية، بصرف النظر عن عنصريّتها التي كشفت عن مخالبها حيال هذه الأقلية إبّان العدوان أخيراً. المطلوب أن يقال للفلسطينيين بلسان "عربي" ينطق عن "الغوى": لا تحلموا بأن يحقق انتصاركم في غزّة أيّ مكاسب ترجونها؛ لأننا نحن العرب حسمنا اصطفافنا إلى جانب إسرائيل، ولن يوقف قطار تطبيعنا معها أيّ عراقيل تتصل بدمائكم القاطرة من طائراتها ومدافعها.

صحيح أن وعود الإعمار الإنشائي سبقت إعمار الصورة، عندما أعلنت الإمارات عزمها على استثمار عشرة مليارات دولار في إسرائيل قبل العدوان، غير أن "نخوتها" التي يقودها سفيرها آل خوجة حاليّاً تُعَدّ استثماراً أدهى وأمرّ، فهو استثمارٌ معنويٌّ لا يقدّر بمال بالنسبة إلى إسرائيل التي تجد في بعض العرب أكبر عون ضدّ العرب. أما بالنسبة إلينا، فكلّ ما نرجوه ألّا يصبح سعادة آل خوجة سفيراً "فوق العادة"؛ فما رأيناه في حالته الراهنة يتجاوز حدود "الصعقة" بكثير.