30 يونيو 2021

شعب الأجندات المشبوهة

شعب الأجندات المشبوهة


خالد الحروب

 

اتهام السلطة وأجهزة أمنها بأن معارضيها ورائهم "جهات معادية للشعب الفلسطيني" وأن لهم "أجندات مشبوهة" تكتيك" مقرف ومنسوخ ببلادة عن التجارب العربية القمعية، عوضاً عن الاعتراف بالخطايا والجرائم المتتالية التي فاقمت النقمة الشعبية المتصاعدة تضيف السلطة خزيا آخر على أدائها عبر استخدام تهمة "الاجندات المشبوهة".

هناك شريحة ضيقة رددت هذا الكلام الفارغ، بعضهم بحسن نية لكن بسذاجة وقصر نظر والبعض الآخر لأسباب نفعية وتبعية سقيمة لا تليق بالأحرار.

الغالبية الكاسحة من الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج وكما تشير استطلاعات الرأي المتواترة عندها نفس الموقف السلبي تجاه السلطة.

لنتأمل أولاً نتائج آخر استطلاع رأي قام به المركز الفلسطيني للدراسات السياسية والمسحية، نسبة الخطأ العلمي في هذه المسوحات لا تزيد عن ٣٪، ولكن وامعانا في الموضوعية دعونا نفترض أن نسبة الخطأ هي ضعف ذلك أي ٦٪، ولنقرأ بعض الأرقام في ضوء هذا الافتراض.

الأرقام تقول لنا شيئا واحدا وهو أن المشهد السياسي يتغير والرأي العام الفلسطيني يبتعد بمسافات عن السلطة ورئيسها أبو مازن وعن حركة فتح، تقول النتائج: ٨٤٪ من الفلسطينيين مقتنعين بوجود فساد في مؤسسات السلطة مقابل ٥٧٪ يقولون بوجود فساد في مؤسسات سلطة حماس، نسبة الاحساس بالأمن والسلامة في الضفة الغربية ٦٠٪ وفي غزة ٦٥٪، نسبة التصويت إلى قائمة حماس لو حصلت انتخابات وقت إجراء الاستطلاع في منتصف حزيران ٣٦٪ مقابل ١٩٪ لقائمة فتح و٩٪ لقائمة ناصر القدوة.

ولو جرت انتخابات رئاسية جديدة اليوم وترشح فيها اثنان فقط هما محمود عباس واسماعيل هنية، يحصل الأول على 27% من الأصوات ويحصل الثاني على 59%.

هناك ٩٤٪ من الفلسطينيين تقول بأنها تشعر بالفخر من أداء قطاع غزة في الحرب الاخيرة، وهناك ٦٥٪ يعارضون قرار محمود عباس تأجيل الانتخابات الفلسطينية، وثلثا المستطلعين يعتقدون أن التأجيل تم خشية خسارة فتح. ٧٥٪ يعتقدون أن أداء حماس كان ممتازا في الحرب والمواجهات الأخيرة مقابل ٨٪ يعتقدون أن أداء محمود عباس كان ممتازاً.

هذه النتائج تعني أن الشعب الفلسطيني عنده أجندة مشبوهة ضد السلطة الفلسطينية ورئيسها بحسب "التكتيك" العبقري الأخير للسلطة وأجهزتها الأمنية وأبواقها الإعلامية.

صحيح أن المؤشرات أعلاه متأثرة بالحرب الأخيرة لكنها منسجمة تماما مع منحى واضح لاستطلاعات الرأي والمزاج الشعبي الفلسطيني خلال السنوات الأخيرة على الأقل.

معنى ذلك أن النقد الموجه للسلطة والنقمة عليها ليس آراء انطباعية عابرة ولكتاب "مأجورين" بل هو نقد ونقمة يعكسان المزاج والرأي الشعبي العام.

بحسب نصوص أوسلو التي صارت شبه مقدسة عند مناصريه، هذه السلطة كان من المفترض أن تكون مؤقتة وتنتهي سنة ١٩٩٩ وتتحول إلى دولة فلسطينية مستقلة.

إسرائيل حولتها من حالة مؤقتة إلى دائمة تحمل عبئ "السكان" ولا تسيطر على الأرض التي بقيت تتآكل استيطانيا. على ذلك ومن منظور وطني بحت كان على هذه السلطة أن تحل نفسها ذاتيا منذ ذلك التاريخ، وأن تقلب الطاولة في وجه إسرائيل وأمريكا وتعيد الأمور إلى مربع الثورة والتحرير.

لم يحدث هذا، وتحولت السلطة إلى هذا الكائن المُترهل الذي يرتمي في وجه الشعب الفلسطيني الآن ويقف بينه وبين مواجهة الاحتلال.

أن يقوم المستعمر المحتل بتصنيع سلطة محلية تقوم بالشأن الإداري الحياتي للشعب تحت الاحتلال هو حالة متكررة ومكشوفة في تاريخ الاستعمار وممارساته، وشهدتها عشرات الحالات من الهند إلى افريقيا إلى آسيا (وحتى في فرنسا التي احتلها النازيون خلال الحرب العالمية الثانية أنشأوا سلطة محلية ترأسها أحد أهم أبطال فرنسا خلال الحرب العالمية الاولى وذلك لمنحها شرعية وطنية كبيرة).

طبعا هناك مسوغات تُساق للدفاع عن هذه السلطات وهي مصلحة الشعب، وأنها مرحلة من المراحل، وأنها، وأنها. ا

المهم فلسطينيا للحكم على نجاح أو فشل السلطة هو الإنجاز عبر الزمن أو عدمه، أمامنا ٢٨ سنة مرت على هذه السلطة العتيدة من دون أن تحقق أي إنجاز وطني على الأرض من منظور التحرير يعني أنها فشلت ويجب أن يتحول الفلسطينيون إلى مشروع آخر، يعيد توحيد الشعب وفق بوصلة شعب واحد، أرض واحدة، مصير واحد.

هل سننتظر ٢٨ سنة أخرى كي نتفق على هذه البديهة الواضحة؟ وما هي المؤشرات التي تقول بأن السلطة سوف تتحول إلى شيء مختلف وعظيم مثلا؟

في مسيرة الفشل العتيد، أصبحت السلطة هي الممثل الشرعي للفلسطينيين من ناحية عملية برغم حصرها في الضفة الغربية وقطاع غزة، وبالتالي شرعنت تقطيع الشعب الفلسطيني، إلى داخل متروك لإسرائيل، ولاجئين لم يعودوا على الأجندة الوطنية عمليا.

لم تعد منظمة التحرير الفلسطينية قائدة المشهد والتي من المفترض أنها تمثل كل الفلسطينيين، تم تهميش وشل المنظمة، ومعها المجلس الوطني الفلسطيني، وتم تحويل حركة وطنية عريقة وحظيت بموقع أثير في وجدان الفلسطينيين مثل حركة فتح إلى طوابير من منتظري الرواتب، وفُرغت منها الروح الثورية التي كانت جذرها المتوقد.

تحولت السلطة ووفق شواهد وأدلة ودراسات إحصائية وتقارير لمؤسسات وطنية إلى مفسدة حقيقية، هناك بالطبع أفراد مخلصون كثيرون في مؤسسات السلطة وأفراد وطنيون مخلصون في أجهزتها الأمنية أرادوا بحق أن يخدموا شعبهم بإخلاص هنا وهناك ضمن نظام السلطة، لكن الحديث هنا عن المؤسسة بشموليتها ومشروعها الذي فشل مؤسساتيا ومشروعاتيا.

في السنة الأخيرة هذه استمر تردي السلطة بشكل حاد من قاع إلى قاع، ظننا أن القاع الأكثر دويا كان إلغاء الانتخابات، لكن لحقه قاع تحداه في الدوي وهو الغياب التام أثناء هبة وسيف القدس، ثم تلا القاعين قاع ثالث فجع الجميع وتمثل في فضيحة مخزية هي لقاحات كورونا منتهية الصلاحية التي لفظتها إسرائيل علينا.

وفي قلب ذلك القاع المُذهل أدهشنا أداء السلطة عندما حفرت قاعاً آخر هو جريمة القتل الدموية للناشط نزار بنات.

في كل هذه القيعان لم يستقل مسؤول واحد من السلطة، والكل يلقي التهم على الآخرين، في البحث عن شماعة السقوط في تلك القيعان تفتقت عبقرية هذه السلطة وأجهزتها الأمنية عن خطاب مزدوج: يتهم الشعب بأجندات مشبوهة لأنه يرفض هذه السلطة، ومن ناحية أخرى يدافع عن السلطة ويتمسك فيها لأنها "تحمي مشروعنا الوطني".

هذا خطاب معيب يحتقر ذكاء الفلسطينيين، ويحتقر تضحياتهم، ويحتقر ثوراتهم، كل كاتب أو ناقد للسلطة أصبح "مأجور"، كل مظاهرة ضدها تأتمر بأوامر خارجية، وكل هتاف ضد السلطة يتم تحويره ليصبح وكأنه هتاف ضد فتح خلطا للأوراق.

فتح ذاتها تقف على مفترق طرق: إما أن تواصل الغرق مع السلطة الغارقة ورئيسها الفاشل الذي لم يحظ إلا برضى ٨٪ من الفلسطينيين، أو أنها تثور على ذاتها وتصحح المسيرة وتقفز من السفينة الغارقة وتلفظ ربانها الفاشل.

أين هي مؤسسات حركة فتح التي نضع أمامها سؤال بيولوجي إنساني بعيدًا عن السياسة والجدل: هل سيموت أبو مازن يوما ما؟ هل تنطبق عليه قوانين الموت والحياة، بحيث تضطر الحركة للبحث عن بديل أو خليفة؟ وإذا كان الجواب نعم، فماذا ستفعل الحركة والمنظمة والشعب بعد أن يحل "اليتم والتيتم" بنا؟ هل سياسة الانتظار بكل ما قد تحمله من انفجارات هي السياسة الحكيمة؟

الأحزاب والشعوب التي لا تقبل أن تُداس كرامتها تُحيل حتى أكبر قادتها للتقاعد عندما يفشلون، هكذا فعل الفرنسيون بديغول والبريطانيون بتشرتشل بعد الحرب العالمية الثانية، وكلاهما كان بطلا من أبطالها في عيون شعبه.

نتنياهو العنصري والمجرم بالنسبة لنا أزاحه الإسرائيليون أعداؤنا وهو في تقديري من أهم القادة الذين خدموا إسرائيل ومشروعها الصهيوني منذ أن تأسس الكيان.

السؤال المذهل: ماذا قدم أبو مازن وماذا قدمت هذه السلطة من إنجازات وبطولات تستحق كل هذا التمسك بها وتستحق "الدم" الذي يتجهز كي يُراق؟ من منظور حركة تحرر وطني وخلال الثلاثين سنة الأوسلوية المشؤومة الماضية لم تقدم السلطة سوى تخليق صورة مُضللة وفرت لإسرائيل تعميق استيطانها واحتلالها، وأدت إلى تآكل الروح الثورية عند الشعب بسبب مزاعم "الإنجاز ولأن رئيسها لا يؤمن بالانتفاضات ضد المحتل ويقدس المفاوضات والتنسيق الأمني.

الأجندة المشبوهة الحقيقية هي الأجندة التي تقبل بقاء سلطة ورئيس تم تحويلهما إلى سياق وظيفي دائم لا مستقبل له سوى خدمة الاحتلال وتخفيف العبء عنه، ولم يعد له علاقة بما يخدم قضية التحرير التي هي لب صراعنا الوجودي، سلطة قال عنها أبو مازن نفسه بأن أصغر جندي إسرائيلي يمنع رئيسها من السفر إن أراد.

قمع الفلسطينيين وما رأيناه من انحطاط في الممارسة الأمنية يريد تحويل شعب ثائر ومتمرد ونبيل إلى قطعان من الغنم التي تركع للمسؤول وتقبل أقدامه من أجل الراتب ولقمة العيش.

الأجندة المشبوهة هي التي تريد قتل روح التمرد عن الناس، وعوض أن يكونوا فرسانا ذوي رؤوس عالية، تريدهم أن يكونوا خانعين يقبلوا الظلم ويصفقوا له.

الأجندة المشبوهة هي التي تضحك على أفراد مغررين يخرجون إلى الشارع ليعتدوا على شباب وصبايا بلدهم، وللدفاع عن مسؤولين فاسدين، بدل أن يستقيلوا وينصرفوا ويُقدموا إلى محاكم وطنية تحاسبهم على فشلهم وفسادهم وإفسادهم.