18 يوليو 2021

جديلتا لمياء

جديلتا لمياء

مؤيد قاسم الديك

 

لا أكتب هنا عن لمياء؛ أنا أكتب عن نفسي، لأنّ الحزن هنا حزن شخصيّ. أمّا لمياء فهي وردة جفّت منذ زمن، وأصبحت تاريخًا فاصلًا في دفاتر الأيام.

أغمضت عينيْها، وكانت رموشها مبتلّة لامعة. كانت ليلة سوداء، قمرها ذابل وفجرها بعيد.

حاولتُ النسيانَ، فلماذا أتشبّثُ بكلّ خيط من خيوط الماضي الأليم! ذلك اللّصّ، الذي تجرّد من الرّحمة، ليسرق طفولةً، غارقة بألم الحاضر وأمل المستقبل!

كنتُ وإيّاها، تحت أمطار آذار ونيسان الخفيفة، نتقافز من حارة إلى حارة، ومن بيت إلى آخر، حامليْن ما أبدعته يدا أبينا كلّ صباح، من أقراص الفلافل؛ لنظفر ببضعة شواقل، تسدّ عوز الأسرة.

هذه عشرون حبّة، عليك بيعها، تقول لي، وتفرّ بِضِعفِ ما معي.

هيا أسرع يا مؤيد، علينا بيع ما معنا قبل قرع جرس المدرسة!

والآن، أجلس على سريري، أتأمّلها وهي تنتقل من بيت إلى بيت، في أزقّة القرية وحواريها، كفراشة تبحث عن دفء الزّهر وأمل الحياة.

كنتُ أخاصمها حينًا، وأعاتبها أحيانًا، لأنها تفوز بالرّهان دائمًا، وتعود إلى البيت مسرعة، لتجد صديقتها حياة في انتظارها.

لمياء، ما زالت الذاكرة تحفظ ذاك اليوم، ولا تزال رائحة التراب المختلطة بدمع السّماء تتسرّب إلى الأعماق؛ لتوقظَ كلّ حين مرارة الذّكرى.

كم كان ذاك الشتاء قاسيًا علينا: أبي، أمي، إخوتي، أنا، أنا الأخ والصديق، ومستودع الأسرار، ورُكن البوح، لتلك الأحلام التي كانت!

كم كان قاسيًا ذاك الشتاء! لقد أغرق في لياليه الطويلة أفراحنا لزمن بعيد.

كغصنٍ في غير أوانه سرقوا الحياة منه، فاغتالوا براءة ذاك الجسد الغضّ.

تأتي المساءات وتذهب، بعضها رائحته كرائحة العوسج، أو الحناء على كفّي عروس، عذب عذوبة ماء جدّتي في جرّتها الفخارية، وبعضها سِربُ غِربان يغطّي أفق يومك الراحل.

ومسائي هذا له عبق عتيق، تتضوّع منه رائحة جديلتَيْ لمياء.