20 يوليو 2021

حل السلطة والغابة الجافة‎‎

حل السلطة والغابة الجافة‎‎

هاني المصري

 

حذّر هادي عمرو، مساعد نائب وزير الخارجية الأميركي، من انهيار السلطة، عبر وصفها بـ"الغابة الجافة"، وهذا يعني أنه يمكن لأي حريق أن يلتهمها.

تحذير هادي ليس وصفًا صحيحًا، وغير مكتمل للواقع فقط، وإنما يستهدف دفع "إسرائيل" للقيام بما يتوجب عليها القيام به لضمان بقاء السلطة التي يشكل بقاؤها فائدة لإسرائيل وفق ما ترى أجهزة الأمن الإسرائيلية، والغالبية العظمى من المعلقين والخبراء الإسرائيليين في الشأن الفلسطيني، بدليل وجود توصية بعد انتفاضة القدس وسيفها بدعم السلطة ومنعها من الانهيار.

بما أن السلطة كانت منذ البداية، أو باتت بعد فشل برنامجها السياسي، عبئًا على المشروع الوطني بدلًا من أن تكون، كما تخيّل الشهيد ياسر عرفات ومن أيّد اتفاق أوسلو، مرحلة أولى انتقالية على طريق إنهاء الاحتلال وتجسيد الدولة الفلسطينية بعد المفاوضات النهائية التي كان من المقرر أن تنتهي في أيار 1999، وأصبحت حلًا نهائيًا على جزء من الأرض المحتلة العام 1967؛ يسارع بعض السياسيين، وأكثر منهم من المثقفين، ونسبة لا بأس بها من الجمهور إلى المطالبة بحل السلطة، باعتبار ذلك الحل السحري لمأزق الحركة الوطنية الفلسطينية.

الأسئلة التي تطرح نفسها هي: ماذا يعني حل السلطة، ومن سيقوم بحلها، وإذا حلت ما البديل عنها، وهل حل السلطة يعني حلها في قطاع غزة أم لا، وهل يوجد خيار ثالث مثل تغييرها؟

ماذا يعني حل السلطة: هل يعني أن الرئيس والوزراء ومن هم بحكمهم وموظفي السلطة وأفراد الأجهزة الأمنية الذين يصل عددهم إلى 160 ألفًا، وعشرات آلاف المتقاعدين ومع عائلاتهم الذين يصل عددهم إلى أكثر من 700 ألف في أقل تقدير، عليهم أن يذهبوا إلى بيوتهم ويغلقوا مقارهم وتسليم الصحة والتعليم والخدمات الأخرى إلى "المنسق"، الذي وصفه المرحوم صائب عريقات بالرئيس الفعلي للسلطة؟

وإذا كانت القيادة في السلطة والمنظمة، صاحبة القرار، والفصائل، وخصوصًا "فتح" و"حماس"، لا تريد حل السلطة، وتحدثت عن ذلك وهددت به كمجرد تكتيك، ، فمن سيقوم بحلها، وهل سيتم ذلك من خلال الدعوة إلى ثورة شعبية للإطاحة بها، ومن سيفجرها، ومتى ستقوم؟

وهل من المفترض وضع حل السلطة على رأس الأولويات، بحيث تكافح قوى التغيير والثورة لحلها إذا ارادت أن تقاوم الاحتلال، بحجة أن السلطة تمنع مقاومة الاحتلال، ولا بد من إزالتها من طريق المقاومة، أم أن مقاومة الاحتلال هي الطريق الأضمن والأسرع لحل أو تغيير السلطة؟ (لقد تطرقت إلى هذه النقطة حول أولوية النضال ضد السلطة أم ضد الاحتلال في مقالي السابق، ولا داعي لإعادة ما ورد فيه، ويمكن للمهتمين العودة إليه).

ما مصير المليون ونصف مليون فلسطيني المستفيدين بشكل مباشر وغيرهم المستفيدين بشكل غير مباشر من وجود السلطة؟ فهي المشغل الرئيسي للقوى العاملة واللاعب الرئيسي للاقتصاد الفلسطيني.

هناك من يردد ويسارع للرد عندما يدور حوار حول هذه المسألة بأن الاحتلال هو المسؤول وفق القانون الدولي والشرعية الدولية، رغم أنه آخر من يعطي أهمية للشرعية الدولية، وهو الذي سيحل محل السلطة، وهذا يعني أنه سيكون مباشرة في مواجهة الشعب من دون وسيط أو وكيل عنه وكأن الاحتلال منفذ أمين للقانون الدولي؟

السؤال: ماذا إذا لم يقبل الاحتلال أن يحل محل السلطة؟ وهذا ما سيحصل على الأرجح إن لم نقل المؤكد.

هناك مخاطر متزايدة تهدد القضية والأرض والشعب تستوجب الاستعداد لها، وهناك مخاطر حدوث عدم انتقال سلمي للقيادة في السلطة والمنظمة إذا حدث شغور لمنصب الرئيس، لذا يجب في ظل عدم وجود مؤسسات شرعية أولية متفق عليها للمرحلة الانتقالية التحرك بسرعة لاتفاق على الخلافة، وانتقال سلس للرئاسة في السلطة والمنظمة.

وهذا من المهم أن يأتي في سياق عملية إحياء للمشروع الوطني والمؤسسة الجامعة والقيادة الواحدة، ومن خلال اشتراك مختلف ألوان الطيف السياسي والاجتماعي، حتى لا نجد أنفسنا أمام سلطة خاضعة كليًا للاحتلال أكثر من القائمة حاليًا، ونحن مشغولون بجدل بيزنطي حول حل السلطة من عدمه، والدولة الواحدة أم الدولة الفلسطينية، بينما المشروع الاستعماري زاحف على الأرض والحقوق والمقدسات.

كما تذكرون، هدد الرئيس محمود عباس في قمة سرت العربية، في العام 2010، بالخيارات السبعة، وكان من ضمنها خيار حل السلطة، وحاول وفق مصدر موثوق في العام التالي تنفيذ تهديده، وأرسل مبعوثًا عنه التقى بمسؤول أمني إسرائيلي، وقال له إن السلطة بلا سلطة، والاحتلال غير مكلف لإسرائيل، لذلك لا تريد إنهاءه، وأنها تدفع نحو فصل قطاع غزة عن الضفة الغربية لقطع الطريق على إقامة دولة فلسطينية، ولذلك تريد السلطة أن تسلم مفاتيحها إلى صاحبها الحقيقي، أي الحكومة الإسرائيلية. فكان رد المسؤول الإسرائيلي بما معناه، أن إسرائيل ترفض العودة إلى احتلال وحكم مباشر للضفة، وأنها لن تفعل ذلك حتى لو حلت السلطة نفسها، وقال له: "العبوا غيرها، فالسلطة لا تريد أن تحل نفسها، وهي تهدد بذلك لتحسين شروط حياتها، وإسرائيل حريصة على بقائها".

بالفعل، لا توجد سلطة تحل نفسها، فهناك بنية متكاملة ترسخت بعد 27 عامًا، وترتبت عليها مصالح لأفراد وشرائح ستدافع عن نفوذها وسلطاتها بكل قوة، ومصالح أقل لمعظم الشعب، وترتب على وجودها مراكز قانونية وعلاقات ومسؤوليات لا حصر لها، ما يجعل حلها من دون بديل واضح ومشروع وطني، وفي ظل حالة الموت السريري لمنظمة التحرير، والانقسام السياسي والمؤسسي؛ قفزة مؤكدة نحو الفوضى والفلتان الأمني وتعددية السلطات ومراكز القرار. وبالتالي، من الممكن في ظل اقتتال داخلي وصراع على الخلافة أن تنهار السلطة وتحرص أطراف عدة، وعلى رأسها "إسرائيل"، على بناء سلطة بديلة.

رغم ذلك، إذا افترضنا جدلًا أن الرئيس توصل إلى ضرورة حل السلطة، سيقوم مسؤول آخر أو مسؤولون من السلطة بدعم من الأجهزة الأمنية ومن الاحتلال والوضعين الإقليمي والدولي بتنحيته والحلول محله، وسيجد الدعم حتى من معظم المعتمدين في دخلهم ومعيشتهم على السلطة، وحتى من غير المستفيدين وبعض المطالبين بحلها، لأنهم سيخافون من فكرتهم إذا وجدوا أنها ستطبق.

ولو، وهي تفتح عمل الشيطان كما يقال، قررت السلطة حل نفسها، فستقوم "إسرائيل" بإنشاء سلطة أو سلطات بديلة عنها. وهناك خطط موضوعة في الأدراج الإسرائيلية إذا احتاج الأمر، أشهرها خطة الإمارات السبع التي وضعها الباحث الصهيوني مردخاي كيدار التي تتضمن إقامة إمارات في المدن الفلسطينية.

لقد كان من أهم الاستنتاجات الإسرائيلية بعد قيام السلطة، وتحديدًا بعد الانتفاضة الثانية وبناء جدار الفصل العنصري وفك الارتباط بقطاع غزة، أن من أفضل ما قام به الاحتلال هو قيام السلطة، لأنها تقوم بالنيابة عنه بالاحتكاك المباشر مع الشعب، وهذا يُضعف المقاومة بشكل كبير، وتقطع الطريق على السيناريوهات الأخرى، مثل تجسيد دولة فلسطين، أو الدولة الواحدة.

نعم، "إسرائيل" مستفيدة من وجود السلطة، ولكن هذا لا يعني عدم وجود نقاط احتكاك واشتباك معها، إذ اعتمدت سلطات الاحتلال سياسات وتطبق إجراءات بهدف مواصلة العمل لاستكمال تغيير السلطة حتى تصبح منسجمة أكثر مع الأهداف الإسرائيلية، ولكي تقر بأن سلطة الحكم الذاتي هي حل نهائي وليس انتقاليًا، وأن زمن التفاوض على القضايا الأساسية قد ولى، وأن مساعيها لإقناع "إسرائيل" أو الضغط عليها عبر الأمم المتحدة ووكالاتها واتفاقياتها والمحكمة الجنائية الدولية والمقاومة السلمية وغيرها لن تجدي نفعًا.

وفي هذا السياق، نلاحظ الضغوط الإسرائيلية على السلطة لعدم دفع رواتب الأسرى وعائلات الشهداء، ولمنع التحريض وتغيير مناهج التعليم، وملاحقة المقاومة بكل أشكالها بشكل أشد، والتصرف بأن القدس ومناطق (ج) ستبقى خارج سيطرة السلطة، وأن عودة الأمور لما كانت عليه قبل 28 أيلول 2000 أضغاث أحلام.

لننتقل إلى الإجابة عن السؤال الثاني: هل المطالبة بحل السلطة تشمل المطالبة بحلها في قطاع غزة؟

هنا، يتلعثم المطالب بحل السلطة شأنه شأن المطالب بالدولة الواحدة، فليس من المعقول المطالبة مباشرة أو غير مباشرة بذلك لأنه يعني مطالبة بعودة الاحتلال إلى قطاع غزة، وفقدان الحرية النسبية داخل القطاع شبه المحرر، إضافة إلى كيفية التصرف مع المقاومة وسلاحها وصواريخها؟

ومع ذلك، هناك من يتجرأ ويطالب بحل السلطة في الضفة وبقائها في القطاع، وأكثر من ذلك بنقل مركز القيادة في المنظمة والسلطة إلى القطاع بحجة أنه محرر، ويمكن أن يشكل قاعدة انطلاق لتحرير باقي الأرض المحتلة.

أولًا: القطاع غير محرر وفق القانون الدولي، بل يعدّ محتلًا، لأن الاحتلال يفرض الحصار، ويقوم بالعدوان والاغتيال. نعم، وضع القطاع مختلف بشكل ملموس عن الضفة، ولكن من المبالغة اعتباره أو التصرف على أنه محرر.

ثانيًا: إن نقل مركز القيادة والحركة الوطنية إلى القطاع المحاصر والمهدد بالعدوان يجعلها تحت رحمة الضغط والابتزاز، وتنتقل من تحت الدلف لتحت المزراب. ولقد قدمنا حلًا ضمن الوثائق التي أنتجها مركز مسارات يقوم على توزيع قيادات ودوائر منظمة التحرير والحركة الوطنية إلى مختلف أماكن تواجد الشعب الفلسطيني، خصوصًا في القطاع، وعدم تجميعها بمكان واحد، فقد كان من الأخطاء نقل مركز الكفاح الفلسطيني كله تحت الاحتلال.

ثالثًا: إن نقل مركز الثقل الفلسطيني إلى القطاع يتساوق بشكل مباشر أو غير مباشر مع الخطة الإسرائيلية القديمة المتجددة بفصل الضفة عن القطاع، وجعل القطاع هو الكيان الفلسطيني لتسهيل التهام الضفة.

هناك خيار ثالث، وهو العمل على تغيير السلطة ضمن رؤية شاملة ومسار إستراتيجي جديد، من خلال تغيير شكلها ووظائفها والتزاماتها وموازنتها، لكي تكون سلطة تخدم البرنامج الوطني، وتعزز الصمود والتواجد البشري على أرض فلسطين، وأداة في يد منظمة التحرير التي يجب إعادة بناء مؤسساتها لتصبح فاعلة، وتمثل الشعب الفلسطيني أينما تواجد.

هذه عملية كفاحية سيقاومها الاحتلال، وقد تؤدي إلى انهيار السلطة الحالية، ولكن في غمار المعركة يتبلور بديل وستنشأ سلطة من نوع جديد مجاورة للمقاومة قادرة على تحقيق الاستقلال، ومنظمة تحرير فاعلة وموحدة تسير بثقة نحو تحقيق الأهداف الفلسطينية.

إن إنجاز ما سبق لن تقوم به السلطة القائمة، بل بحاجة إلى تغيير جوهري في البنى والقيادات والبرامج القائمة، وصعوبتها لا تبرر الخضوع للأمر الواقع بشكل صريح أو عبر التستر بعبارات رفضه.