28 يوليو 2021

زمن الحمقى واللصوص

زمن الحمقى واللصوص

 الياس خوري

 

هل عدنا إلى مماحكات العصابة الحاكمة العاجزة عن الحكم، والمصرّة على التمسك بالسلطة حتى الموت؟

أسئلة لا ضرورة للبحث عن أجوبتها، فالسلطة تتصرف وكأن السياسة لعبة، وكأن لا كارثة، وهي على حق، حتى الآن لم تشعر السلطة بالكارثة، العصابة لا تقف في طوابير البنزين، ولا تركض بحثاً عن دواء اختفى، ولا تقف ذليلة أمام أبواب المصارف.

الشعب يعاني وما المشكلة، شفطوا الدولارات وهرّبوها إلى الخارج، وهم يزدادون فحشاً كلما هوت الليرة، أموالهم محفوظة في الملاذات الآمنة، وهم لا يبالون.

تكليف ميقاتي هو تكرار لمسرحية تكليف سعد الحريري، كما أن لعبة ميشال عون و»الزمكّ» الذي يدير المناورات لا تزال في بداياتها.

«السيد الرئيس» لن يترك السلطة إلا بعد تدمير كل شيء.

أما بقية أفراد المافيا فهم على وعدهم لنا بنهب كل شيء، واللعب بجثة البلد.

انتهت اللعبة ولكنهم يعتقدون أنها لا تزال في بدايتها.

سرقوا أموال الناس في البنوك وسرقوا حيوات الضحايا في 4 آب-أغسطس، وهم مرتاحون على وضعهم، يحتمون بالطائفية وسلاح الميليشيا، ويقومون بشرشحة كل شيء.

لذلك قرروا العودة إلى اللعبة نفسها، فكلفوا الميقاتي لأنهم لا يريدون أي تغيير، والواقع أنه كان من العبث انتظار تكليف شخصية من خارج دائرة الفساد، فهذا عين المحال.

الدائرة الجهنمية مغلقة على أفراد العصابة وستبقى كذلك.

تعالوا نتفرج كيف تتم هذه اللعبة الجهنمية: مجلس النواب يقرر تحطيم القضاء العدلي في قضية مذبحة 4 آب-أغسطس ويرفض رفع الحصانة عن المتهمين، نبيه بري يقود محاولة لملمة أشلاء الطبقة الحاكمة عبثاً وبلا جدوى، القوات تنتظر الانتخابات النيابية على إيقاع القرار السعودي بإيصال لبنان إلى الحضيض انتقاماً من حزب الله، جبران باسيل يناور ويلعب ويعطّل تشكيل أي حكومة ما لم يحكمها ويتحكم بها، ويقرر أن يكرر مع الميقاتي ما فعله بالحريري، وليد جنبلاط يستغيث داعياً إلى التنازلات المتبادلة، تيار المستقبل يعلن أنه جزء من حزب نيترات الأمونيوم، وحزب الله يتفرج على الانهيار الكبير لأنه لن يتخلى عن غطائه الوحيد ميشال عون، وعن امتيازات دولته، ولا هم له سوى حماية سلاحه. أما رئيس الجمهورية فيتصرف بعقلية من أتى لتدمير كل شيء لأنه يريد كل شيء.

هذه هي الطبقة الأوليغارشية الحاكمة.

مافيا من اللصوص والقتلة والمشعوذين والتافهين. هذه العصابة تحكم لبنان، أو تتولى عملية إعدامه، أو تصر على العبث بجثة وطن كان احتمالاً فصار على أيديهم محالاً.

كل كلام عن شرعية السلطة صار لا شرعياً. هذه مافيا اغتصبت السلطة بالعنف والإكراه والرشوة، وأتت لتستكمل ما عجز الاحتلال الإسرائيلي عن القيام به، وما لم تستطع الوصاية السورية إنجازه.

لصوص استولوا على بلاد لا يستحقونها. صحيح أن لبنان كان مصاباً بعاهة الطائفية السياسية المرتهنة للخارج، وصحيح أيضاً أن الرأسمالية اللبنانية الشوهاء كانت مصابة بالعمى وجعلت هدفها الوحيد هو الربح السريع، لكن الصحيح أيضاً أن لبنان كان يملك بنى جامعية وثقافية ونقابية وصحافية وطبية راسخة ومؤهلة لقيادة التغيير، كما أن لبنان كان يملك طبيعة خلابة وساحرة.

أتى هؤلاء الزعران ودمروا كل شيء، حطموا الجامعات، شرشحوا المستشفيات، كسروا النقابات، بهدلوا الصحافة، همشوا الثقافة، وحولوا بيئة لبنان إلى مزبلة.

لصوص وأغبياء.

ماذا سيفعل نجيب ميقاتي، وكيف سيخفي القروض السكنية التي أعلنت أنه أتى ليحمي ما تبقى من مصالح طبقة تفككت وانهارت وفقدت شرعيتها.

والطريف أن ميشال عون لم ولن يتخلى عن طموحه الشخصي، بأن يصير صاحب سلالة حاكمة يمثلها صهره «الحربوق»، الذي يعتقد أنه يستطيع أن يغطّي الغباء بالتذاكي.

إنه زمن انتقام الموت من الحياة، وانتشار «السم في الهواء»، حسب عنوان الرواية الأخيرة التي كتبها جبور الدويهي قبل أن يموت.

هذا هو السم، إنه سم الطغمة الحاكمة، الذي حاولنا مقاومته مع جبور الدويهي وآخرين عندما كنا طلاباً منذورين للحلم والثورة في كلية التربية في الجامعة اللبنانية. انتشر السم يا صديقي، وتاهت طرقاتنا.

أغمضت عينيك الناعستين فجاءك الموت، الذي يجتاح بلادنا سماً تبثه أفاعي هذه السلطة.

كل كلام عن إصلاح هذا النظام الفاسد القاتل هو الوهم.

فلقد أعلنت السلطة بأجنحتها المختلفة الحرب على الشعب اللبناني، فالذي فجّر أطنان نيترات الأمونيوم في بيروت، لا يريد سوى تركيعنا أو أبادتنا.

ولن نركع، أو نشرب كأس الذل.

نقاومكم بما تبقى لنا، أي بمنطق الحياة، وسنجعل من الذكرى السنوية الأولى لتفجير بيروت في 4 آب-أغسطس، مناسبة يرتفع فيها صوت الضحية مبشراً بتغيير آن أوانه.