03 أغسطس 2021

مفترق طرق

مفترق طرق

مهند عبد الحميد

 

أشياء كثيرة تتغير في الواقع الفلسطيني، ما عدا طريقة التفكير والخطاب اللذين بقيا على حالهما وأسهما في تعميق أزمة الثقة بين المواطنين  ومراكز القرار السياسي. الى اين نحن سائرون؟ معظم الناس يجيبون، نحن سائرون الى الهاوية. وبوجود كم هائل من السلب والقبح في وصف الحالة، بدون التعرف على تناقضاتها، وفي غياب البحث عن مخارج تستجيب للمصالح المشتركة، نسير فعلاً الى الهاوية. النظام الفلسطيني الرسمي يتشكل الآن بمعزل عن تعاقده مع المواطنين داخل وخارج الوطن، ويتشكل نظام فلسطيني مواز في قطاع غزة بمعزل عن تعاقده مع المواطنين. التشكل المؤسساتي المنعزل يأتي في الغالب ضد مصالح  وحقوق أكثرية المواطنين، ويؤدي في المحصلة إلى بناء نظام قمعي وفاسد وفاشل وطنيا واقتصاديا. السؤال الأهم، هل تلاشت المصالح المشتركة التي تدفع  معظم القوى والنخب للالتقاء عند اهداف ومهمات مشتركة والعمل على تحقيقها؟ وهل طغت المصالح الخاصة والفئوية والعشائرية على حساب وفي مواجهة ما هو مشترك للمجتمع والشعب؟ هل تسود حالة تعارض مصالح، بين مصالح النخبة المتنفذة التي لها بصمات قوية على مركز القرار ومصالح الأكثرية المتضررة او المهمشة؟

يستمد اي نظام سياسي مشروعيته من قبول مواطنيه بقواعد سياسية وقانونية وأخلاقية تلبي مصالحهم، وتساعدهم على التعايش في ما بينهم، لقاء قبولهم النظام السياسي وسلطته واحتكاره للقوة. في ما مضى اكتسبت منظمة التحرير شرعيتها التمثيلية استنادا لتلك القواعد وبالاخص قضية التحرر من الاستعمار الإسرائيلي، والدفاع عن حق اللاجئين بالعودة،  والدفاع عن مصالح الفلسطينيين معنويا وعمليا بخاصة في الاراضي المحتلة. بعد اوسلو حدث اختلال تدريجي لهذه القواعد. فعندما تبين للمواطنين ان الاحتلال والاستيطان يتعمقان، ونهب الموارد والسيطرة والحصار والأبارتهايد سياسة ثابته مدعومة بقوانين. هذا الاختلال المتفاقم ابطل مفعول التعاقد الفلسطيني الداخلي، بعد أن أفقده كل سند ومبرر، سيما بعد ان أفصحت دولة الاحتلال عن تغيير المعادلة، وانتقلت من سياسة ادعاء التفاوض على ( الاحتلال والاستيطان واللاجئين والقدس والحدود وتقرير المصير) الى السماح ببقاء السلطة وتعزيز مصالح بعض من نخبها، مقابل الحفاظ على الهدوء والامن. الإفصاح عن الموقف الإسرائيلي لم يكن سراً، بل كان يمارس على الأرض منذ سنوات أوسلو الأولى وتحديدا بعد صعود نتنياهو ومعسكره اليميني العنصري الى سدة الحكومة، الإفصاح لم يجابه بسياسة فلسطينية رسمية قادرة على استبقاء التعاقد الفلسطيني الداخلي وتعزيزه.

كان انسداد الحل السياسي يستدعي تعزيز العلاقة بين مركز القرار (منظمة وسلطة) من جهة والمواطنين من جهة أخرى، وذلك من خلال إعطاء وزن كبير للبناء الداخلي (تعليم ونظام صحي وضمان اجتماعي وتطوير الموارد من داخل المجتمع ومنظومة قوانين وتجديد مؤسسات المنظمة والسلطة ...الخ) وكان الانسداد يستدعي إعادة بناء التحالفات بين الشعب الفلسطيني والحلفاء الحقيقيين والجديين، وإعادة بناء المسار السياسي ( مسار اوسلو). لكن ذلك لم يحدث باستثناء الانضمام للامم المتحدة كعضو مراقب، والانضمام لمؤسساتها واتفاقياتها، ورفض صفقة القرن، لكن تلك الخطوات لم تُفَعّل، ولم تنعكس ايجاباً على الرأي العام الفلسطيني، بسبب تعارضها مع بنية السلطة والمنظمة.

لم يحدث اي تغيير ايجابي يذكر في العلاقة مع المواطنين، في غياب الاستعداد الذي ألغته او همشته المصالح الضيقة، وفي غياب مبادرات التغيير التي تستهدف إشراك أصحاب المصلحة الفعلية به بقيت الأوضاع على حالها وازدادت سوءاً. ومن مظاهر ذلك استئثار السلطة التنفيذية بصلاحيات السلطتين القضائية والتشريعية، والتضييق على الحريات، وعزل المعارضين ومعاقبتهم، والاستئثار بالقرار، والانحياز للموالين. من جهة اخرى اكتفت قوى المعارضة اليسارية بطرح مطالب التغيير وباستعراض المساوئ والانتهاكات وتسجيل المواقف بمعزل عن خوض معارك تغيير حقيقية، وبدون محاولة إصلاح بنيتها وتغيير اساليبها في المعارضة. أما حركة حماس التي تحتفظ بسلطة لا تقل سوءا في ممارساتها بل تتفوق عليها باستخدام الدين كوسيلة للإخضاع والسيطرة، فلم تحدث التغيير المطلوب ولم تبن بديلاً وطنياً. واحتفظت فقط بامتلاكها ورقة المقاومة لتبرير ممارساتها السلطوية، ولتعزيز نفوذها الشعبي في سياق سعيها لوراثة المنظمة والسيطرة عليها. المشكلة انها لم تطرح المقاومة كاستراتيجية ومسار بديل لمسار اوسلو.

في غياب التغيير من تحت، لجأ التنظيمان الأكبر «فتح» و»حماس» الى إبرام صفقة تقاسم الحكم على أمل تدوير سيطرتهما في الضفة والقطاع. لكن هذه الصفقة لم تكتمل بإلغاء الانتخابات الذي كشف العجز وهشاشة البنية وكل النوايا المستورة التي أقل ما يقال عنها انها لا تنتمي للديمقراطية. كان مردود تأجيل الانتخابات أسوأ كثيراً من الاستمرار بها. فكما هو معروف أن المخرج من كل ازمة يكون بالاقتراب من الناس والاعتراف بالأخطاء وتطوير مقومات التغيير وليس بالهرب والانعزال والاختباء خلف ما يسمى مؤامرة. جاء اغتيال الناشط نزار بنات وقمع النشطاء السياسيين والإعلاميين والإعلاميات، وعدم الاعتراف بالأخطاء الفادحة التي هزت الرأي العام، وعدم تقديم اعتذار  لذوي نزار وللرأي العام، وعدم محاسبة المتهمين، ليفاقم أزمة الثقة. في حين جاءت قرارات التعيين المتداولة وسط السلك الدبلوماسي -إن صدقت  - لتضيف وقودا للحريق، كما ان إعادة الركون للوساطة الاميركية في الوقت الذي تواصل فيه سلطات الاحتلال الاخذ بصفقة القرن في مجال الاستيطان والتهويد وسرقة الأراضي والسيطرة على الشعب، كل ذلك يرسخ نظاماً غير ديمقراطي منعزلاً عن الناس، وبإدارة الظهر لحلم فلسطين ديمقراطية. المواقف والاجراءات السابقة الذكر تؤدي الى خسارة الرصيد الشعبي التاريخي.  ففي أي انتخابات قادمة لن يعطي الناس أصواتهم لأصحاب هذا الأداء الاستفزازي. إن الامعان في هذه السياسات يعني خسارة الشرعية الشعبية، فلم يكن من باب الصدفة امتعاض العقلانيين والمعتدلين الفلسطينيين والعرب بتلك السياسات الهوجاء. كذلك لم يكن صدفة تعرض السلطة لانتقادات غير مسبوقة من صحافة ليبرالية عالمية، فضلا عن  نقد منظمات حقوق إنسان. فلسطين أمام مفترق طرق، ولا تستطيع الصمود طويلا أمام الإقصاء الإسرائيلي اذا فقدت ثقة الشعب والوحدة الوطنية الداخلية والحلفاء والأصدقاء.