04 أغسطس 2021

نحو قضاء تجاري فلسطيني

نحو قضاء تجاري فلسطيني

عمر رمضان صبره

 

للنظام القضائي العالمي نهجان؛ الأول يسمى النظام القضائي الموحد (الأنجلوسكسوني) ومفاده أن يتولى مرفق القضاء جميع المنازعات دون تخصيص، وتتزعمه بريطانيا وبه أخذت بعض الدول؛ وانتهجته فلسطين قبل صدور القانون الأساسي الفلسطيني في العام 2003؛ لخضوعها للاحتلال (الانتداب) البريطاني، والنهج الثاني يسمى بالنظام القضائي المزدوج (اللاتيني)، وتتزعمه فرنسا وبه أخذت بقية دول العالم، وانتهجه المشرع الفلسطيني من خلال القانون الأساسي في العام 2003.

ويقوم النظام المزدوج على قضاء مستقل للمنازعات الإدارية، وآخر مستقل للقضاء النظامي (العادي) الذي يتولى الفصل في المنازعات المدنية والتجارية.

ولقد أصدر المشرع الفلسطيني العديد من القوانين المرتبطة بالسلطة القضائية، ومنها القانون الأساسي في الباب السادس؛ والذي أفرده للسلطة القضائية؛ حيث نصت المادة 97 منه بأن السلطة القضائية مستقلة، وتشكل المحاكم بكل أنواعها ودرجاتها وفق القانون. ووفقاً لقانون تشكيل المحاكم النظامية 5/2001، تم تشكيل المحاكم النظامية، وبه حدد أنواع المحاكم ودرجاتها، بالإضافة لقانون أصول المحاكمات المدنية والتجارية رقم 2/2001 الذي يعد قانون إجراءات وآليات التقاضي أمام المحاكم.

 

وقد حدد المشرع للمحاكم اختصاصات مكانية ونوعية وقيمية، بالإضافة لدرجات المحاكم وأنواعها، وتوجد في فلسطين عدة محاكم خاصة؛ كمحكمة جرائم الفساد، ومحاكم التسوية، ومحاكم الضرائب، والمحاكم العسكرية. الخ.

 

أما المحاكم المتخصصة فهي الهيئة القضائية التي تنشأ بقانون أو بناء على قانون بدرجة محاكم الابتدائية (ضمن المحاكم الابتدائية) وتقتصر ولايتها القضائية على نوع محدد من القضايا والمنازعات ذات الطبيعة الفنية. وتختلف المحاكم الخاصة عن المحكمة المتخصصة بأن الخاصة هي التي تنشأ من أجل نوع محدد من النزاعات، أو أشخاص محددين، أو غرض محدد.

 

ولإنجاح القضاء المتخصص لا بد من توافر ما يلي:

 

1-القوانين الملائمة: أي أن تكون لدينا قوانين تسمح بتشكيل المحاكم المتخصصة، وأن تحدد صلاحياتها وولايتها واختصاصها.

2-إجراءات التقاضي: إن القضاء المتخصص دائما يحتاج الى إجراءات تقاضي خاصة، مثلاً: كالإثبات بكافة طرق الإثبات كما بالقانون التجاري 12 لسنة 1966 وفق مادة 51 إلّا ما ذكر بقانون خاص، وكذلك إجراءات التبليغ، وأن يسمح بالتبليغ الإلكتروني بالقضايا التجارية؛ وأدعوا إلى إجراء تعديل لقانون أصول المحاكم المدنية والتجارية؛ بأن يسمح القانون بإجراء التبليغ الإلكتروني، وذلك من أجل السرعة وتوفير الجهد والوقت، بالإضافة إلى الخبرة الفنية والقانونية للمتخصص في القانون التجاري والقضايا التجارية.

3-القضاة: فيجب أن يتم انتداب قضاة لديهم الخبرات القانونية بالإضافة لتخصصهم في القضايا الاقتصادية والتجارية، وأن يكونوا ذوي خبرة مالية واقتصادية ومصرفية، وخبرات فنية متخصصة.

 

ويجب عند اختيار القاضي المتخصص في القضايا التجارية أن يتم من خلال قضاة لديهم من الخبرات المعرفية الطويلة بالقضايا التجارية، وأن يكون لديه مؤهلات قانونية وعلمية عُليا، أو أن يكون حاصلاً على شهادات مهنية عُليا متخصصة في جوانب ذات العلاقة محاسبية ومالية وملكية فكرية، أو مصرفية؛ وهي تخصصات مرتبطة بالقانون التجاري. والمحاكم التجارية المتخصصة تحقق العديد من الأهمية والمميزات كسرعة الإجراءات؛ حيث إن القضاء الفلسطيني يعاني من الاختناق القضائي؛ وهذا يؤثر سلباً على القضايا التجارية، وضياع الفرص الاستثمارية البديلة، وتقليص التكلفة المالية على القضاء والمتقاضين؛ فالقضاء المتخصص نتيجة السرعة يؤدي إلى تخفيض تكلفة التقاضي ووقته. وكذلك القضاء المتخصص يؤدي إلى زيادة الاستثمار لوجود قضاء متخصص في القضايا التجارية والاقتصادية، وقضاء ذي خصوصية بالقوانين التجارية ومتخصص فيها، والخبرة والعمق والقدرات التي تؤدي إلى إصدار الأحكام القضائية المشجعة على الاستثمار، وبالمناسبة ليست الحوافز الضريبة أو الاستقرار السياسي وحدها تشجع الاستثمار؛ بل القضاء له دور مهم في تشجيعه.

والأساس القانوني لإنشاء المحاكم التجارية المتخصصة هو أن يتم إصدار قانون؛ لإنشاء المحكمة المتخصصة وتحدد اختصاصاتها وولايتها، وأنواع المنازعات وتحدد لها الاختصاص النوعي والقيمي، ويمكن أن يكون القضاء المتخصص ضمن القضاء النظامي، أو قضاء مستقل، وبرأيي أن يكون ضمن القضاء النظام. إن إنشاء القضاء التجاري المتخصص يشجع على التخصص والاستعانة بالخبرات الفنية والكفاءات المهنية، بالإضافة لتشجيع الوسائل البديلة لحل النزاعات التجارية، كقانون التحكيم والمحكمين، علما بأننا في فلسطين لدينا بعض أنواع المحاكم المتخصصة؛ كمحاكم الجمارك؛ ومحكمة استئناف الضرائب على الجانب المالي، بالإضافة لمحاكم متخصصة أخرى كمحكمة جرائم الفساد والأحداث.

ختاماً: إن الدعوة لإنشاء محاكم تجارية متخصصة ليس من أجل حل مشكلة آنية؛ بل هي دعوة لتبني إستراتيجية قضائية شاملة؛ بل لأجل إصلاح المنظومة القضائية، وهي دعوة لتشكيل المحاكم التجارية التي تعتمد على السرعة والخبرات الخاصة قانوناً واقتصاداً، وهي تشجع الاستثمار وتحافظ على الاستقرار المالي للمعاملات وحماية لأطراف النزاعات التجارية، وأدعو المشرع لتعديل قانون أصول المحاكمات المدنية والتجارية لأجل تسريع التقاضي وإنهاء الاختناق القضائي.

وهي دعوة من أجل زيادة عدد القضاة في فلسطين؛ حيث إننا بحاجة لقضاة جدد ففي فلسطين ما يقارب 320 قاضيا، ولو نظرنا لعدد القضاة مقابل عدد السكان بفلسطين المقدر بحوالي خمسة مليون نسمة فإن كل 15000 نسمة تقريبا مقابل قاضٍ واحد، وهذا يتطلب إرادة ودعم حكومي للقضاء.

ويقول ونستون تشرشل رئيس وزراء بريطانيا الأسبق "حين علمتُ بأنّ قضاء الدّولة البريطانية بخير، أدركتُ أنّ بريطانيا باتت بألف خير".