09 أغسطس 2021

هذا التحريض ضد "أونروا"

هذا التحريض ضد "أونروا"

معن البياري

 

 

تسلّمت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين التابعة للأمم المتحدة (أونروا)، أخيرا، جزءا من أموالٍ تعهدت الولايات المتحدة، بقرار من إدارة الرئيس بايدن، استئناف التبرّع بها للوكالة. وقالت إن تحسّنا جرى في أوضاعها المالية، بعد الأزمة التي زاد حدّتها وقفُ إدارة الرئيس السابق، ترامب، تبرّعات الولايات المتحدة. وبالتزامن مع هذه الأخبار، نشطت محافل إسرائيلية، دبلوماسية وإعلامية، في نوبة تحريضٍ مستجدّةٍ على الوكالة الأممية التي تقدّم خدماتها، التعليمية والصحية والإغاثية، لنحو خمسة ملايين لاجئ فلسطيني في سورية ولبنان وفلسطين والأردن. وجاء حسنا من "أونروا" أنها سارعت إلى تطويق هذه الحملة، وفضح أكاذيبها وأغراضها، في بيانٍ اتّصف بمهنيةٍ عالية. وأفاد بأن ما أتت به "منظمة مراقبة الأمم المتحدة" (لا علاقة لها بالأمم المتحدة)، عن ترويج موظفين في الوكالة "العنف والكراهية" في وسائل التواصل الاجتماعي، إنما يأتي لإثارة موجة غضبٍ دولية بعد استعادة "أونروا" الدعم المالي الأميركي. وقد وصف البيان المنظمة المذكورة بأن "تاريخها طويل في تعويم مزاعم عارية عن الصحة"، وتحرّكها "أغراضٌ سياسية". وقد أفيد بأن المنظمة هذه مموّلة من لوبياتٍ صهيونية، وتخصّص في موقعها الإلكتروني جزءا لترويج الرواية الإسرائيلية.

ولما بادرت "أونروا" إلى إجراء فحص وتحقيق فوريين في المزاعم، وتبين لها أن عشرة من 22 موظفا اتهمتهم تلك المنظمة بترويج الكراهية والعنف (ضد إسرائيل) ليسوا من موظفيها (!)، فإن دولة الاحتلال لم تكتف بإشاعة صحافاتها وقنواتها التلفزيونية مضامين التقرير الذي اشتمل على أكاذيب ومبالغاتٍ وتأويلات، بل أيضا استند إليه مندوبها في الأمم المتحدة، جلعاد أردان، في رسالةٍ منه إلى الأمين العام، غويتريس، مطالبا بفصل موظفين في "أونروا" بزعم "تحريضهم على الإرهاب وعدائهم السامية". وبصفاقة، اتهم الوكالة التي تعد الشاهد الدولي الوحيد على نكبة اللجوء الفلسطيني في 1948 (تأسّست في 1949) بأنها "ليست منظمة إنسانية، وإنما منظمةٌ تشجع الإرهاب تحت رعاية الأمم المتحدة" (!).

وما في الوسع التقاطه من الواقعة أن المنظمة التي تنيط بنفسها مراقبة أداء الأمم المتحدة تمنح نفسها الحقّ في تفسيراتها ما تراه "كراهية إسرائيل" و"تحريضا ضد إسرائيل وعداء للسامية"، ذلك أن تقريرها المسمّى "ما وراء الكتب المدرسية" رصد مضامين منشوراتٍ لمعلمين فلسطينيين في مدارس وكالة الغوث في وسائل التواصل الاجتماعي، لتجد في مجرّد الإشارة إلى فلسطين التاريخية "تحريضا ضد إسرائيل"، ثم تزعم إن "حالاتٍ معينة" لموظفين في "أونروا" تبيّن أنهم "ينتهكون قيم الوكالة الأممية المتمثلة في عدم التسامح مع التمييز والعنصرية أو معاداة السامية"، ثم تتهم الوكالة بالتواطؤ في سوء سلوك موظفيها، بل ألمحت أيضا إلى أن "الكراهية منتشرة داخل الوكالة ومدارسها"، الأمر الذي ردّ عليه بيان "أونروا" ليس فقط بنفي هذه المزاعم، وإنما بأنها "ليست مضلّلة وكاذبة فحسب، بل إنها أيضا تثبت حقيقة وهدف الهجمات المثيرة وذات الدوافع السياسية، والتي تضر عمدا بمجتمع معرّض بالفعل للمخاطر، ألا وهم الأطفال اللاجئون".

غاية القول هنا إن مسؤولي دولة التمييز العنصري لا يكلّون عن استهداف وكالة الغوث، وقد اغتبطوا بالحرب النشطة التي شنّها ترامب وإدارته على هذه الهيئة الأممية التي أنقذت أجيالا من الفلسطينيين، ويسّرت لهم الكثير مما لا يُنسى من أسباب الحياة بمقادير طيّبة من ضرورات العيش أكثر من ستة عقود. وليس غريبا أنها ظلّت مستهدفة في حملاتٍ دعائية، مع إبقائها على الدوام في حالة عجز مالي، وقد التقى اليمين الفاشي في إسرائيل مع خطط جاريد كوشنير (ما أخباره؟) من أجل الإجهاز عليها، وهي التي لا تنتفي الحاجة إليها إلا بعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم وتعويضهم. ومن عجائب ما جرى عربيا، أخيرا، أن دولة الإمارات تبرّعت فقط لها بمليون دولار في عام 2020، وقد بعث هذا على التندّر والأسى معا، بالنظر إلى ما كانت تبادر إليه من تقدماتٍ طيبة للوكالة، (50 مليون دولار في 2019).

للعلم فقط، أعلنت "أونروا" أنها تتخذ "إجراءاتٍ تأديبية أو إدارية فورية" بحق أي من موظفيها يأتي "سلوكياتٍ غير محايدة" على الإنترنت... القصّة حساسة، إذن، ومنظومات غير هينة التأثير في العالم تشايع إسرائيل تزيد وتعيد في الملف كله، لتحرّض وتعبث.