11 أغسطس 2021

الاستحمار عن بعد

الاستحمار عن بعد

ممدوح حمادة

 

 

عندما زرت هوليوود، اشتريت مجسّما لجائزة الأوسكار، ونشرت صورته على "فيسبوك"، معلقا من باب الدعابة "وأخيرا حصلت على الأوسكار بسبعة دولارات". وبسبب الثقة التي أشكر الأصدقاء عليها، ولأنهم ربما لم يقرأوا العبارة بانتباه، فقد تلقيتُ مباركاتٍ كثيرةً لحصولي على الأوسكار، ما اضطرني لكتابة توضيح.

مع الأسف، يتحدّث بعض العرب عن نجاحات مهاجرينا بشكلٍ يوحي وكأننا من بنى أمجاد أوروبا، فيحدّثونك عن طبيبٍ أجرى عملية ناجحة وهذا رائع، ولكنه ليس حكرا على الطبيب العربي، فمن الطبيعي أن يُجري الطبيب عملية ناجحة لأنه طبيب. كذلك المهندس الذي تألق في مشاريعه وغيرهم. لا ينقص عقولنا شيء لكي نكون متميزين، ولكن هذا أمر عادي وليس استثناء. وكل ما في الأمر أننا هناك نأخذ فرصنا بعيدا عن الولاءات والبيروقراطية المحلية الغبية. مع ذلك، يعتبر الحديث عن نجاحات المختصين العرب في غير بلادهم أمرا حميدا إذا تحلّى بالموضوعية.

ولكن الأمر الخطير هم النّصابون الذين يمارسون استحمارا ممنهجا لمواطنيهم الذين ظلوا في البلاد، مثل "أينشتاين العرب" الذي ذهب لاجئا، وقال إنه تلقى دعوة من إحدى كبريات الجامعات الأوروبية، وأرفق ذلك بكمٍّ كبير من الصور على "فيسبوك"، وصدّقه متابعون كثيرون وامتدحوه، إلى درجة أن أحد المخدوعين خاطبه بـ "يا بروف"، وهذا اسم الدلع من بروفيسور. وهكذا، بقدرة قادر، تحول خرّيج كلية علوم الى دكتور ثم بروفيسور، وليس من المستبعد أن يعود هذا النصّاب إلينا لاحقا بروفيسورا فعلا، تماما كذلك الصحافي الذي عاد من بريطانيا التي أوفد إليها بمنحة دراسية، ثم غادرها بسبب فشله دراسيا. وفي قريته سأله أحد أبنائها الذي جاء ليهنئه بعودته بالسلامة، عما كان يفعله في بريطانيا، فأجاب بأنه كان صحافيا، ثم عرض عليه نصّا مما نشره في صحيفة مشهورة، وكان ذلك الضيف لا يتقن الإنكليزية، ولم يستطع أن يقرأ أكثر من اسم النصاب الذي يثبت بما لا يدع مجالا للشك بأنه كان فعلا ينشر مقالاته في تلك المطبوعة. وبما أن الضيف إعلامي يعمل في مطبوعة محلية مغمورة، فقد ذاع صيت النصّاب بأنه كان يعمل صحافيا في صحيفة بريطانية مشهورة، فما كان من رئيس تحرير المطبوعة المحلية إلا أن طلب منه أن ينشر في جريدتهم.

وهكذا بدأ النصاب يتحوّل الى صحافي، وكان يواجه كل من ينتقده بعبارة "لا نبي في وطنه"، أو "مزمار الحي لا يطرب". بعد مرور زمن طويل، اكتشف أحد الباحثين هذه الكذبة، فقد تبين أن صديقة لهذا النصاب كانت تعمل في تلك الصحيفة في قسم "طبق اليوم"، على آلة كاتبة، وإنها تذوقت طعاما لذيذا عند ذلك النصّاب، فطلبت منه كتابة الوصفة، ونشرتها في الصحيفة في قسم طبق اليوم، ولم تكن مقالة ذلك النصاب التي عرضها على الأبله المحلي سوى وصفة إعداد "متبل الباذنجان". ولكن أحدا لم يصدّق الباحث، واعتبرت الغالبية العظمى كشفه هذا مجرّد محاولة بائسة لتشويه صورة الصحافي الفذّ... وحدّث ولا حرج عن شعراء وكتّابٍ ترجمت أعمالهم إلى لغات أجنبية، وبطبيعة الحال يكون المترجم صديقا شخصيا أو ما شابه. وعلى سبيل المثال، أطلعني أحد الأصدقاء على مقال تكيل له فيه إحدى الصحفالأجنبية المديح، وعندما قرأت، في نهاية المقال، اسم الكاتب، تبيّن أنها زوجته، فقلت له: إنها زوجتك... فضحك، وقال: أنا من لقّنها ذلك.

يعود تفشّي هذه الظاهرة إلى النرجسية المرضية لهؤلاء النصّابين الذين يبحثون عن جمهورٍ يحتاجونه لإثبات تفوّقهم الكاذب، وإلى توفر هذا الجمهور بكثرة، هذا الجمهور الذي يكفيه أن ينشر النصّاب صورة لمكتبه الذي يعمل فيه في بريطانيا مثلا، ليكون إثباتا على كل أكاذيب ذلك النصّاب، وكأن جميع الموظفين يجلسون على حصيرة ما عداه يجلس على كرسي. وتساهم في ذلك عقدة النقص تجاه الغرب المتجذّرة لدينا بكل تأكيد. هذه الظاهرة بما تشكله من خطورة يجب أن تدرَس جيدا، وتتم مكافحتها قبل أن نضطر لاحقا إلى مكافحة نتائج أفعالها ومضاعفاتها.