12 أغسطس 2021

الحرارة ترتفع والجفاف يتّسع والحياة على الأرض أصعب

الحرارة ترتفع والجفاف يتّسع والحياة على الأرض أصعب

الكاتب: د. جمال زحالقة

أثار التقرير العلمي حول أزمة الاحتباس الحراري، الذي أعدّه 234 خبيراً من 66 دولة واستندوا فيه إلى 14 ألف دراسة علمية، ضجّة عالمية غير مسبوقة، لما شمله من معطيات ومعلومات وتحذيرات بشأن الكوارث القائمة والمقبلة بسبب التغيّر المناخي في كوكب الأرض. وحذّر العلماء من تغييرات مناخية مهولة وغير مسبوقة، تجعل الحياة على الأرض أصعب على بني البشر.

ما الجديد في تقرير المناخ الجديد

أعد التقرير تمهيدا لقمة المناخ العالمية، كود 26، التي ستعقد في مدينة غلاسكو الأسكتلندية بعد ثلاثة أشهر. واستنادا إليه، وهو السادس من نوعه، من المتوقّع أن تتخذ قمة غلاسكو إجراءات أكثر صرامة من تلك التي اتخذتها قمة باريس، التي استندت إلى التقرير الخامس لخبراء المناخ في الأمم المتحدة، الذي كان اقل حدّة. فوفق التقرير الجديد تسير الأمور بشكل أسوأ مما كان متوقّعا في الماضي. لعلّ اهم ما جاء في التقرير هو الحسم والحزم في إقرار أن ارتفاع معدلات درجات الحرارة في العالم هو من صنع البشر. ويأتي هذا الحسم بعد سنوات طويلة من التردد، واستعمال تعابير مثل ربما وغالبا ومن المرجّح وغيرها، لترك فتحة لعدم اليقين في مسؤولية الإنسان عن التغيير المناخي المتواصل منذ بداية الثورة الصناعية.

الأمر الثاني الجديد في التقرير هو، أن ارتفاع درجات الحرارة يزداد بوتيرة أعلى مما كان متوقّعا في السابق، حيث جرى التحذير فيه من أن درجة حرارة الأرض سترتفع بمقدار 1.5 درجة مئوية بحلول عام 2030، مقارنة بمعدلاتها قبل الثورة الصناعية، أي قبل عشر سنوات من التوقعات السابقة. كما أشار التقرير إلى أن مستوى البحار والمحيطات سيرتفع بمتر ونصف المتر إلى مترين، ما يعرّض دولا كاملة ومدنا كثيرة لخطر الغرق والاندثار. والأخطر من ذلك أنه من المتوقّع أن يتواصل الارتفاع في معدلات درجات الحرارة، حتى لو التزم الجميع بمقررات مؤتمر باريس في الحد من انبعاث غازات الدفيئة، التي هي سبب ظاهرة الاحتباس الحراري.

يفوق الارتفاع الحالي في درجات الحرارة مقدار الارتفاع في 800 ألف سنة خلت. وإذا كان الإنسان، على مرّ العصور، قادرا على التكيّف مع تقلبات الطقس والدورات الطبيعية في المناخ، فإنّ السؤال هو كيف يتأقلم مع التغييرات «غير الطبيعية في المناخ»، التي صنعها هو؟ وهل تستطيع البشرية أن توحّد جهودها لإنقاذ نفسها من نفسها؟ لكن ما القصد بالبشرية ورديفتها الإنسانية هنا؟ كان لي صديق من عتاة الماركسيين، يستشيط غضبا حين يسمعني استعمل كلمة «الإنسانية»، ويطلب فورا توضيحا أي إنسانية أقصد، وهل التعبير هو للتغطية على الاستقطاب في القوة والثروات، متسائلا إذا كان فقراء الهند وأثرياء نيويورك ينتمون إلى الإنسانية نفسها، وهل هناك ما هو مشترك فعلا في حياتهم غير الأساس البيولوجي؟ من الواضح أن إنقاذ البشر من الكارثة البيئية لن يأتي من فقراء العالم، إلّا إن هم أطاحوا بالرأسماليين والنظام الرأسمالي برمته. وبما أن هذا السيناريو غير مطروح في الأفق، بقي كيف ستتعامل أوليغارشية النظام الرأسمالي القائم والحاكم مع أزمة المناخ، فبيدها القدرة وعندها القرار، والحكومات في خدمتها في نهاية المطاف.

النظام الرأسمالي هو المشكلة لا الحل

في المقال الأخير الذي نشره المفكّر اليساري سمير أمين قبل وفاته عام 2018، تطرق إلى ما سماه «خريف الرأسمالية»، موضحا أنّه «توجد تحدّيات بيئية كبرى، خاصة مسألة التغيير المناخي، لا تحمل الرأسمالية أي إجابة عليها، ولا يعد اتفاق باريس (حول مواجهة الانحباس الحراري) إلّا ذر رماد في أعين الجماهير الساذجة.» وحمّل أمين النظام الرأسمالي مسؤولية «التدمير البيئي للبشرية»، مضيفا أنّ هذا التدمير، المرتبط بضرورة التوسّع الرأسمالي، يعزّز أسباب عدم ديمومة هذا النظام. وبشكل عام يرى أمين أن العولمة الرأسمالية المعاصرة هي سبب أزمات الغذاء والطاقة والبيئة وتغيّر المناخ، لأنها تقوم على الاستغلال البشع للموارد الطبيعية. يضع نظام المنافسة الرأسمالية عقبات جدّية أمام إمكانيات مواجه أزمة المناخ والبيئة. وليس صدفة أن الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، الذي يمثل توجهات «الرأسمالية الخنزيرية»، أنكر وجود أزمة انحباس حراري كوني، ورفض القيام بما هو مطلوب من الولايات المتحدة وفق اتفاق باريس 2015. ومثله فعلت قيادات الصين والهند وروسيا وغيرها، إضافة إلى المنافسة بين الدول، هناك منافسة بين الشركات، التي تخشى أن تخسر حصّـصها في الأسواق، إن هي ذهبت إلى استعمال طاقة بديلة غالية الثمن. هناك عوائق مصلحية وبنيوية في صلب النظام الرأسمالي تعيق بجّدية مواجهة أزمة المناخ. ويطرح الكثيرون سؤالا محيّرا: كيف يمكن لمن خلق المشكلة، ومن بنى نفسه وثروته عليها أن يأتي بحل لها؟ وحتى لو جاء الحل، فإن بقاء النظام الرأسمالي كما هو، سيؤدّي إلى عودتها من جديد، لأن الصناعة الرأسمالية، كما كتب ماركس في «رأس المال» تقوم على استغلال قوّة العمل والأرض، والذي حدث منذ ذلك الحين أنّ الاستغلال البشع للموارد الطبيعية، صار أكثر شراسة ويجاري الاستغلال الجائر للإنسان كعامل وكمستهلك، ولا يقل عنه ضررا وخطورة. لكن من الحماقة انتظار انهيار النظام الرأسمالي لحل مشكلة البيئة، فهي ملحة وكارثية ولا تنتظر الثورة أو الثورات أو أحلام «الخلاص الاشتراكي» المأمولة.


هل ينقذ 200 رجل عربي العالم؟

صدر مؤخّرا كتاب مثير بعنوان «قوة الصحاري» لعالم البيئة دان رابينوفيتش، يتناول أزمة التغيير المناخي وتأثيرها في العالم وفي منطقة الشرق الأوسط، وتحديدا في دول الخليج. ومن المفاجئ أن الكاتب ذهب إلى سيناريو متفائل بشأن مصير دول النفط العربية، إن هي أحسنت التعامل مع قضية الطاقة البديلة، واعتقد انه من المفيد للمسؤولين في هذه الدول الاطّلاع على محتوى هذا الكتاب، لما يشمله من معلومات وتنبّؤات ومقترحات جديرة بالتمعن. يستعرض الكاتب ارتفاع درجة الحرارة في دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، مؤكّدا أنّها ستتأثّر بالانحباس الحراري بدرجة اعلى من بقية العالم. ويشير بشكل خاص إلى خطر أن تصبح دول الخليج العربي مناطق «غير صالحة لحياة البشر»، حيث تشير التقديرات إلى أنّ درجة الحرارة في الدوحة ودبي وأبو ظبي ستكون في عام 2060، أعلى من 35 درجة مئوية بشكل دائم، وفي الكويت سيكون المعدّل 43 درجة مئوية (أكثر من 50 درجة خلال ساعات النهار). وإذ يتعرض النفط إلى تراجع مستمر في قيمته، وإذ تشير تقارير البنك الدولي إلى أن مدخولات دول الخليج من النفط ستتراجع بحوالي 2 تريليون دولار خلال السنوات الـ 15 المقبلة، فإنّه من الواضح أن الاتكال على الثروة النفطية سيؤدّي إلى كوارث وانهيارات. ويقدم الكتاب مقترحا لحل هذا المعضلة، منطلقا من أن دول الخليج تحظى بأربعة مزايا مهمة: قدرات مالية هائلة،

و30% من مجمل الثروة النفطية في العالم وأراض صحراوية واسعة وغير مستغلة، وشمس ساطعة بقوة مضاعفة عن بقية العالم لمدة 300 يوم في السنة. وهذ يستدعي استثمارا خليجيا فوريا في الطاقة الشمسية.

المشروع المقترح في الكتاب مكوّن من ثلاث خطوات: الأولى إقامة شبكة عملاقة من مولّدات الطاقة الشمسية لاستبدال النفط في الاستهلاك المحلي، الثانية استغلال الطاقات المالية للاستثمار في مبادرات لتطوير الطاقة البديلة والمتجدّدة في العالم، والخطوة الثالثة، وبعد الاطمئنان على التحكم محليا والمساهمة دوليا في إنتاج الطاقة البديلة، تقوم دول الخليج العربية دفعة واحدة بوقف إنتاج النفط، ما سيؤدّي فورا إلى رفع أسعاره وإلى انعطاف عالمي نحو استعمال طاقة بديلة أرخص ثمنا. وهكذا ستنقذ دول الخليج العربي نفسها وتساهم جدّيا وفعليا في إنقاذ العالم.

القرار، وفق هذا السيناريو، هو لحوالي 200 رجل عربي، هم متخذو القرار في دول الخليج. المشكلة أنهم غير متفقين، والمشكلة أن كل أشكال التعاون العربي، في الخليج وفي غير الخليج، في حالة انهيار.

العرب متضررون أكثر من غيرهم

قبل حوالي عامين، كتبت العالمة السورية الدكتورة رلى طبّاش، الباحثة في علم المحيطات في جامعة هامبورغ، مقالا بعنوان «التغيّر المناخي: لماذا يجب أن نقلق منه في بلداننا العربية». خلاصة المقال أن التغير المناخي سيكون كارثيا أكثر على بلدان العرب، حيث من المتوقّع أن يصل الارتفاع في معدل درجات الحرارة في الصيف إلى 4 درجات مئوية، ما يجعل الحياة فيها جحيما. كما جاء في المقال أن موجة الجفاف الحالية في الشرق الأوسط هي الأصعب منذ تسعة قرون. وذكرت الكاتبة في مقالها أن المناطق الساحلية المنخفضة في مصر وليبيا وتونس وقطر والإمارات والكويت، ستكون عرضة للخطر بسبب الارتفاع في منسوب مياه البحر. كما أنّه من المتوقّع أن تتفاقم مشكلة شح المياه في منطقة الشرق الأوسط وتضرب المحاصيل الزراعية والسياحة وتؤدي إلى نزوح أكبر من الريف إلى المدن وإلى ارتفاع في معدلات البطالة وإلى انحسار في النمو الاقتصادي والعمراني. الناس في الوطن العربي أكثر عرضة للتأثيرات الوخيمة للاحتباس الحراري، لأن غالبيتهم الساحقة فقراء، وهم يدفعون ثمن تبذير ميسوري الحال في بلادهم وبلاد العالم في استهلاك الطاقة، التي تنبعث منها غازات الاحتباس الحراري. فالأغنياء عموما يساهمون أكثر في تفاقم المشكلة، لكنّهم يدفعون الثمن أقل من غيرهم بسبب إمكانياتهم وقدرتهم على حماية أنفسهم. وإذا يكتوي المستضعفون بالشمس الحارقة، التي تزداد حرقا، ينعم القادرون بالهواء البارد، الذي تبثّه المكيّفات في البيت والسيارة وغرف العمل، ويساهمون في زيادة انبعاث غازات كربونية ترفع درجات الحرارة أكثر. المطلوب هو العمل على محاصرة الظاهرة وإنقاذ البشرية، حتى تبقى الأرض مكانا صالحا للحياة. وليبدأ العرب بأنفسهم فهم أوّل المتضررين. لن يرتقي العمل إلى المستوى المطلوب من تلقاء ذاته. يجب أن يفرض فرضا على الحكّام وعلى ملوثي البيئة، من قبل جماهير واسعة تطالب بحقّها في العدالة البيئية، حتى على حساب الأرباح الرأسمالية الطائلة. فصحة الناس ورفاهيتهم أهم.