12 أغسطس 2021

فضيحة بيغاسوس والدور القمعي للكيان الإسرائيلي

فضيحة بيغاسوس والدور القمعي للكيان الإسرائيلي

الكاتب: د. مصطفى البرغوثي

وصف مهندس نظام الأبرتهايد العنصري ورئيس حكومة جنوب أفريقيا العنصرية، فيرورد، في عام 1961، إسرائيل بأنها "مثل جنوب أفريقيا دولة أبرتهايد"، وأضاف أن "إسرائيل أخذت أرضها من العرب الذين عاشوا عليها لآلاف السنين".
وطوال سنوات حكم الأبرتهايد العنصري كانت جنوب إفريقيا وإسرائيل حليفتين وثيقتين، تعاونتا عسكرياً واستخباراتيا، وسياسياً ضد حركات التحرر في إفريقيا والمنطقة، بما في ذلك ضد الثورة الجزائرية، وأجرت إسرائيل خلالها كثيراً من تجاربها لإنتاج الأسلحة النووية في جنوب إفريقيا.
وفي عام 1956 تحالفت إسرائيل مع القوى الاستعمارية في بريطانيا وفرنسا، لشن حرب السويس ضد مصر، بعد تأميم الرئيس الراحل، جمال عبد الناصر قناة السويس، ونتيجة دعمه المتواصل للثورة الجزائرية وقوى مناهضة الاستعمار في المنطقة، وهو هجوم فشل فشلاً ذريعاً، وإن أكد الدور الرجعي الاستعماري لإسرائيل في خدمة المصالح الاستعمارية.
وفي الستينات، تبرعت إسرائيل بما تستطيع لمساندة العدوان الأمريكي على فيتنام، بل إن وزير الحرب الإسرائيلي، موشيه ديان، زار فيتنام الجنوبية، للاستفادة من خبرات ذلك العدوان الذي فشل بسبب مقاومة، وصمود الشعب الفيتنامي ونشوء حركة معارضة شعبية أمريكية لتلك الحرب، كان من أبرز رموزها المناضل الأميركي ضد العنصرية، مارتن لوثر كينغ، وأشهر ملاكمي العالم، محمد علي كلاي، والممثلة جين فوندا، وملايين الشباب الأمريكيين.
كل ما ذكر يفسر عدم استغرابنا ما تسرب أخيرا، من دور تآمري خطير لحكام إسرائيل، وشركاتهم الأمنية، وتحديداً شركة NSO، من خلال البرنامج التجسسي بيغاسوس، الذي باعوه لأجهزة المخابرات في أنظمة قمعية عديدة، بغرض التجسس على منظمات حقوق الإنسان، والمعارضين السياسيين، والمناضلين ضد القمع ومن أجل حقوق الإنسان، والصحافيين.
وانكشف هذا التورط بعدما أصبحت أنظمة عديدة تستخدم برنامج بيغاسوس للتجسس على رؤساء وحكام دول أوروبية، مثل الرئيس الفرنسي، ماكرون، ووزراء، ونواب وصحفيين أوروبيين.
وما أصبح معروفا أن برنامج بيغاسوس الإسرائيلي يستطيع التسلل إلى الهواتف المحمولة عبر ارسال "ايميل"، أو رسالة نصية، أو رسالة واتس أب، و بعد ذلك يستطيع سرقة كافة المعلومات في الهاتف المحمول عن بعد، من دون لمسه أوفتحه بما في ذلك "الإيميلات"، والرسائل، والصور، والمواقع، و قائمة الهواتف، كما يستطيع فتح الهاتف عن بعد، وتسجيل المكالمات، أو فتح الكاميرا وتصوير المحيط الذي يوجد فيه الهاتف.
وهذه قدرات كانت سابقا محصورة بيد دول كالولايات المتحدة وبريطانيا حسب ما نشره إدوارد سنودن عام 2013، و لكنها أصبحت متاحة الآن، بفضل برنامج بيغاسوس لكل من يدفع من الأنظمة، والحكومات القمعية، و حتى بعض المجموعات.
ما يكشفه هذا التسريب الذي تجري محاولات للتستر عليه، وتخفيف الأضرار الناجمة عنه، هو الدور الوظيفي الذي اختاره حكام إسرائيل لها، والحلفاء الذين يتعاونون معهم، وهم القوى الرجعية المعادية للديمقراطية وحقوق الإنسان، في إنسجام مع الشعور الداخلي العميق لهؤلاء الحكام بأنهم يمثلون أسوأ أنماط التطهير العرقي، والإحتلال، والأبرتهايد العنصري التي يستخدمونها ضد الشعب الفلسطيني.
ولا يخفى على أحد أن مشاريع التطبيع التي نفذت بين إسرائيل وبعض دول المنطقة في ولاية الرئيس الأميركي المنصرف، ترامب في إطار ما سميت "إتفاقيات أبراهام" كانت، في الأساس، مشاريع للتعاون الأمني والتجسسي.
وبهذا السلوك، يحاول حكام إسرائيل ضرب عصفورين بحجر واحد، فهم يشجعون القوى والأنظمة المعادية للديمقراطية والتقدم ويدعمونها ، لتبقى إسرائيل القوة المهيمنة على المنطقة. ومن ناحية ثانية فإن كل معلومة تجسسية يتم الحصول عليها عبر برامج التجسس الإسرائيلية، من أي نظام، تصبح فوراً ملكاً لإسرائيل ومنظومتها الأمنية، وذلك بحكم أن برامج التجسس المباعة تنقل أوتوماتيكياً المعلومات للمشغلين الإسرائيليين لهذه البرامج، وهم جميعاً خريجو الجيش الإسرائيلي وأجهزة مخابراته، ويحافظون على الارتباط بها.
ولا تمثل فضيحة NSO وبيغاسوس سوى قمة جبل الجليد من التعاون الأمني والعسكري والتجسسي الذي تقوم به الأجهزة والشركات الإسرائيلية مع الأنظمة القمعية في العالم. وفي كتاب "انهض واقتل أولا" الذي نشره المؤلف الإسرائيلي، رونين بيرغمان، بشأن نشاطات أجهزة الموساد الإسرائيلي عشرات الأمثلة على الدور الذي قام به ذلك الجهاز في هذا المجال، ومنها مساهمته المباشرة في عملية اختطاف المناضل المغربي المهدي بن بركة واغتياله.
ومن الأمثلة المعروفة لمن يريد أن يعتبر، نشاط أجهزة الأمن الإسرائيلي في جنوب السودان، ودعمها لأكثر من عقد من الزمان لمخطط إنشاء سد النهضة في إثيوبيا بغرض إضعاف مصر والسودان، وإحداث مشاكل مائية وحياتية لشعوبها، بالإضافة إلى دعم حركات إرهابية في سورية وتسليحها ، وحركات عميلة في جنوب لبنان مثل جيش أنطوان لحد. ويرسم ذلك كله صورة واضحة لطبيعة التحالفات التي أنشأها حكام إسرائيل منذ تأسيسها وحتى اليوم.
هذه حقائق بالغة الأهمية لكل من يساهم في بناء حركة تضامن لمساندة الشعب الفلسطيني او يسعى إلى هذا، وهي حركة واجهت إرتباكاً بعد إختلاط المفاهيم والمعايير، وخصوصا بعد توقيع إتفاق أوسلو (1993)، وبعد ما أثبتت التجارب الكثيرة أن أكثر من يقف إلى جانب الشعب الفلسطيني، هم المنسجمون مع شعوبهم نفسها، و الحريصون على حقوقها، وليس القامعين لها.
أما التحدي الآخر، فهو موجه بشكل خاص لدعاة الديمقراطية وحقوق الإنسان في العالم، وخصوصا في الغرب، وإن كانوا سيقومون بما تتطلبه برامجهم، ومواقفهم، وشعاراتهم، من تصدٍ للقمع الإسرائيلي الذي تجاوز قمع الشعب الفلسطيني، ليصبح جزءاً من منظومة قمع عالمية لحقوق الإنسان وحقوق الشعوب في الحرية والديمقراطية.