08 سبتمبر 2021

حرية الفلسطيني

حرية الفلسطيني

حيّان جابر

 

يخوض الشعب الفلسطيني نضالا يوميا من أجل حريته وتحرّره منذ عشرات السنين، على الرغم من كل التخاذل والتواطؤ الدولي مع دولة التطهير العرقي والفصل العنصري الصهيوني، وهو ما تجسّد في الفرحة العارمة التي رافقت تداول خبر نجاح هروب ستة أبطال من فدائيي هذا الشعب المأسورين في السجون الصهيونية من سجن جلبوع شديد الحراسة، ذي التحصينات الأمنية الاستثنائية. كيف لا، ونحن أمام ملحمة بطولية، أبطالها أسرى خاضعون لأشد أنواع الرقابة اللحظية، محكومون بالسجن منذ سنوات، وأحدهم مدى الحياة، عقابا على مقاومتهم الاحتلال وجرأتهم على النضال من أجل حرية فلسطين وتحرّرها، فإذ بهم يحولون هذا السجن إلى ساحة نضال جديدة تضرب منظومة الاحتلال الأمنية بقوة، كي يعلنوا أن شمس الحرية سوف تسطع مجدّدا على كل فلسطين، وعلى جميع الفلسطينيين مهما غالت الصهيونية في إجرامها وتماديها، ومهما نالت من دعم أميركي ودولي، وللأسف عربي أحيانا.

لم ولن تكون معركة الأبطال الستة أول معركة يخوضها الأسرى البواسل من أجل حريتهم، فثمة عشرات الاحتجاجات والإضرابات عن الطعام والحملات التضامنية التي نجح بعضها في كسر زنازين الأسر الصهيوني، وعودة بعض الأبطال إلى الأهل، وإلى ساحات النضال داخل فلسطين، كما تجسّد أخيرا مع الأسيرة، أنهار الديك، التي نجحت، بل ربما نجح الفلسطينيون في صيانة حق جنينها في الحياة الطبيعية، مجبرين الاحتلال على الانصياع لإرادة الحياة الفلسطينية، من خلال قرار محكمة عوفر، إطلاق سراحها بكفالة مالية (نحو 12500$)، مع إقامة جبرية في منزل عائلتها.

لا يمكن وصف مدى السعادة والفرح التي تغمرنا بعد سماع هذه الأخبار، على الرغم من معرفتنا بأن مسار الحفاظ على الحرية المنتزعة من قبضة الإجرام الصهيوني أصعب بكثير من مسار انتزاعها. وعليه فإن احتمال إعادة اعتقال الأبطال الستة وارد وكبير. كيف لا؟ وقد حوّل الاحتلال كل فلسطين إلى سجن كبير لشعبها الأصلي، من خلال جدار الفصل العنصري ونقاط التفتيش والحواجز العسكرية على طول البلاد وعرضها، وللأسف من خلال سلطة التنسيق الأمني القائمة في الضفة اليوم، وعبر عزل قطاع غزة الأسير أيضا. لذا قد لا تطول حرية الأبطال الستة كثيرا، لأننا لم ننجح بعد في هدم صرح الاحتلال والعنصرية والإجرام الصهيوني، لكن بطولتهم ونجاحهم في خرق منظومة الصهيونية الأمنية قد تحوّلت، منذ لحظة الإعلان عن هروبهم من سجن جلبوع شديد الحراسة، إلى أيقونة نضالية، تحفزنا وتحثنا على مواصلة النضال، وعلى الإيمان بقدرات شعب فلسطين الكامنة والهائلة.

وفي سياق آخر، قد يعتبره بعضهم بعيدا عن هذه الأيقونة البطولية، يؤلمنا تناسي من يتناسى معاناة 1800 فلسطيني مختف قسريا في سجون نظام الأسد، 1800 عائلة فلسطينية لا تعلم أين أبناؤها وأحبابها، 1800 أسير فلسطيني لا يحظون بالحد الأدنى من حقوقهم الإنسانية بما فيها الحق بالمحاكمة العادلة والحق بالزيارة والحق بالطبابة، 1800 أسير معرضين لخطر الموت تحت التعذيب. كما يؤلمنا التغاضي عن سائر الجرائم المرتكبة بحق فلسطينيي سورية، من القنص والقتل والقصف بالبراميل المتفجرة، وصولا إلى التهجير القسري، كما يحدث اليوم بحق لاجئين فلسطينيين مقيمين في مخيم درعا. نعم يعاني فلسطينيو سورية من السرطان الأسدي نفسه الذي يعاني منه سائر السوريين، يعتقلون ويقتلون ويهجّرون بلا سبب، ومن دون أي جريمة يرتكبونها، فجريمتهم الحقيقية والوحيدة بحثهم عن حريتهم الفردية والجماعية، وخروجهم عن القالب الأسدي المفروض قسرا على كل من تطأ قدماه أرض سورية.

لم يبخل فلسطينيو سورية وسائر اللاجئين الفلسطينيين في العالم بالمساهمة في النضال التحرّري الفلسطيني تاريخيا وراهنا، قبل الثورة السورية وبعدها، كما لم يبخلوا بدعم نضالات التجمعات الفلسطينية الأخرى ومؤازرتها، داخل فلسطين وخارجها، فمنهم من عبر الحدود التي تفصلهم عن فلسطين والأراضي العربية المحتلة من الجولان والجنوب اللبناني والأردن، ومنهم من تظاهر واعتصم وأحيانا أضرب عن الطعام وقاطع البضائع الأميركية وطبعا الصهيونية، ومنهم من عبّر بفنه وبأدواته الإبداعية عن الحقوق الفلسطينية، ومنهم من عرّى الإجرام الصهيوني، تماما كما عرّاه أبطال في حي الشيخ جرّاح وقطاع غزة أيضا.

أي لم يدع اللاجئون (في سورية ولبنان والأردن ومن كل بقعة في الأرض) أي مناسبة من أجل التأكيد على الكل الفلسطيني وعن كل فلسطين، فلماذا يغيب هذا التأكيد اليوم من قطاعات واسعة من أبناء شعبنا داخل فلسطين تجاه المختفين قسرا في سجون الأسد، وتجاه المهجّرين قسرا من مخيمات سورية؟ مؤسف ومؤلم جدا هذا التجاهل اليوم، سيما بعد حادثة قتل الناشط نزار بنات، الذي كان من أشد الداعمين لنظام القتل والإجرام الأسدي. لقد قتل نزار بالوسيلة نفسها التي قتل بها زهرة شبان فلسطين في سورية، ومن المنظومة الأمنية ذاتها التي تخفي آلاف الشبان النابضين بشعلة الحرية، لكن الفرق الوحيد بين الاثنتين أن المنظومة التي قتلت نزار قد تمت مواجهتها داخل فلسطين وخارجها بكل قوة وحزم، حتى أرغمت على إعلان محاكمة العناصر الذين اعتقلوه (هذا غير كاف)، في حين أن المنظومة المجرمة في سورية قد وجدت من يصفّق لها ويشجعها على إجرامها ويصمت عن ضحاياها يوميا، بل ويخوّن من طالب بمحاسبتها أيضا، كما فعل نزار للأسف.

حان الوقت كي يعرف شعب فلسطين أن مسار الحرية والتحرر طويل وشاق، وأنه مسار يتطلب تضافر جميع الجهود داخل فلسطين وخارجها، فنحن مطالبون بكسر الحواجز والشتات الذي فرضته الصهيونية وداعموها، وهو ما يتطلب إدراكا ووعيا وتضامنا، بل وتعاونا في انتزاع حقوقنا المستلبة داخل فلسطين وخارجها، من مخيمات لبنان المحاصرة، إلى مخيمات سورية المدمرة، وصولا إلى القدس والضفة الغربية وغزة ويافا وحيفا، فحرية الأبطال الستة الهاربين من سجن جلبوع لا تقل أهمية عن حرية 1800 مختف قسريا في سجون الإجرام الأسدي، كنظرائهم المعتقلين في سجون الصهيونية وسائر السجون العربية والعالمية لدواع سياسية. هل نعي ذلك قريبا ونثبته قولا وفعلا؟