12 سبتمبر 2021

مناصب وأرانب

مناصب وأرانب

باسل طلوزي

 

أيّ جديد يطالعنا به صندوق العجائب الأردني، عندما يُخرج لنا الحاوي من كمّه الأيسر ثلاثة "أرانب" جديدة، ممثلة بأنظمة أغرب ما فيها اشتراط الحصول على ترخيص قبيل نشر أي فيديو مباشر على مواقع التواصل الاجتماعي، عدا ما تتضمّنه تلك الأنظمة من قيود إضافية على حرية النشر والتعبير؟

لا جديد في الواقع غير ما ألفناه بين الحين والحين من "الحاوي" إياه، الذي يسحب باليد اليسرى ما يقدّمه باليمنى، ثم ليكتشف المواطن الغلبان أنه لا يمضغ، في نهاية المطاف، غير الهباء.

وما ألفناه أشبه بنكتةٍ سمجةٍ لا يملّ الحاوي من ترديدها، وهو ما أفقد المواطن ثقته بسائر المبادرات الرسمية التي لا تصدر إلا بهدف التغطية على مأزق يتورّط فيه النظام الرسمي، ثم سرعان ما تتبخّر "المبادرة" أو يتمّ تمييعها لتفقد محتواها وجوهرها، وتصبح محض نفاياتٍ قابلةٍ للحرق أو الدفن في أقرب مكبّ.

للتوضيح، أحالت هيئة الإعلام المرئي والمسموع الأردنية التي "يتزعمها" معارض سابق اشتهر بـ"شراسته"، وبصورةٍ قديمةٍ له "قبل المنصب" وهو "يعتصم" احتجاجًا، وخلفه يافطة ضخمة موجّهة إلى الحكومة طبعاً ومدوّن عليها "لن ندفع فواتير عهركم" أحالت ثلاثة أنظمة إلى ديوان التشريع والرأي، أهمها نظام رخص البث الإذاعي والتلفزيوني، وإجازة المصنّفات المرئية والمسموعة. وأثارت هذه الأنظمة ردود فعل غاضبة في الوسط الإعلامي والصحافي الأردني، وقوبلت بعواصف إلكترونية، ووقفات احتجاجية غاضبة من المعارضة التي رأت، في بعض بنودها، سابقةً لم تقدم عليها، حتى أشد الدول قمعًا للحريات، سيما البند عن اشتراط الحصول على إذن رسمي قبيل بثّ أي فيديو حيّ، وهو منعٌ ظاهره "التنظيم" وباطنه "التكميم". والمقصود به قطع الطريق على محاكاة فئة المعارضة التي اعتادت بثّ فيديوهات مناوئة للحكومات، وكاشفة أسرارا لا تجرؤ وسائل الإعلام المحلية على مقاربتها، فضلًا عن منع تداول فيديوهات التظاهرات والاحتجاجات وغيرها، ما يعني رفع منسوب الكبت وقمع الحريات.

وتكمن مفارقة "الحاوي"، هذه المرّة، في أن صدور تلك الأنظمة القامعة جاء بعيد تشكيل اللجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية، والتي غايتها إجراء تعديلات جذرية على قانوني الانتخاب والأحزاب، بما يفسح الطريق إلى تشكيل حكوماتٍ حزبية، ومنح الحرية للناخب أن يختار نوابه على مستوى الوطن، لا على مستوى دائرته الجغرافية الضيقة فقط. وعلى الرغم من تشكيك المواطن الأردني بجدوى هذه اللجنة، قياسًا على ما اختبره من لجانٍ سابقة، غير أنه حاول أن يقنع نفسه (ولو بالقوة) أنّ هذه اللجنة ستكون مغايرةً، اعتمادًا على "الضمانة الملكية" التي تعهد بها الملك نفسه بإحالة مخرجات اللجنة، مهما كانت، إلى مجلس النواب لاعتمادها، علمًا أن تشكيل اللجنة جاء عقب قضية "الفتنة" التي هزّت المجتمع الأردني، خصوصًا وأن أحد أركانها أميرٌ من الأسرة المالكة.

هذا ما قدّمه الحاوي للأردنيين قبل نحو شهرين بيده اليمنى، لكن الحاوي نفسه سرعان ما أقدم على سحب كل تلك الآمال التي عقدها المواطنون على اللجنة، عندما باغتهم بهذه الأنظمة "القمعية" الجديدة، ليتركهم يطحنون "الهباء"، ويلعنون اليوم الذي صدّقوا فيه جهة رسمية.

وفي صندوق العجائب نفسه، يستذكر الأردنيون أساليب المكر الرسمية التي تلجأ إلى استمالة بعض المعارضين بالمناصب الحسّاسة ذات المساس المباشر بالحرّيات، على غرار وزارة الداخلية التي تولى حقيبتها عدد ممن كانوا يحسبون على أحزابٍ كانت ممنوعة وملاحقة أمنيًا، وصولًا إلى هيئة الإعلام المرئي والمسموع، حيث يتسلّم هؤلاء مناصبهم تحت وطأة الإحساس بـ"النقص"، والتشكيك بالولاء، فيسعون إلى ملء فراغ النقص، وتعويض الولاء، بقمعٍ مضاعفٍ لم يقدم عليه من سبقوهم ليثبتوا للنظام أنهم قد "بيّضوا" ملفاتهم الأمنية بالكامل، وأصبحوا في مقدمة المدافعين عن الحكومة وسياساتها، ثم تتمّ إضافتهم إلى جوقة الحواة الرسميين، ليشاركوا بإخراج "الأرانب" من الصندوق. من دون أن يدركوا أنهم إنما يخرجون أنفسهم، لأنهم كانوا محض "أفواه" قبل المناصب، ثم أصبحوا "أرانب" بعد المناصب.