13 سبتمبر 2021

الواحدة صباحًا بتوقيت الحُريّة

الواحدة صباحًا بتوقيت الحُريّة

الكاتبة: إخلاص مصلح

يا حبيبتي،

أنا هنا، على بُعد قدمين من النّور.

أمضيتُ سنينَ طِوال وأنا أرى نور الشّمس مَشوبًا بثلاثة قضبانٍ حديديّة، وشبكٍ يَحول دون وصول نظري إلى المَدى البَعيد.

أنا هنا، أحمل ملعقتي وآكل التّراب كي أُصبح على حريّة قريبة، أُفتّتُ الحَصى بأسناني وأطحنها كالرّحى؛ لتُمسيَ غُبارًا أنفضه عن ياقتي.

لقد اغتالوا حرّيتي، لكنهم لن يغتالوا عَزيمتي. أطرقُ بقدميَّ على وجه الأرض؛ ليُصبح ما ورائي غبار نقعٍ، ومن أمامي سرْبُ حمام زاجلٍ أُحلّقُ معه إلى السَّحاب.

أنا التّنين الذي لانت لهُ الأرض حين غرزتُ أظافري بها، وأتبعتْ ذلك بهمسةٍ قائلة: " لا تَخف، أنتَ صاحبي لن أؤذيك، أمّا عن الصيَّاد الذي سيلحقُ بِك، فسأهوي فوق رأسه، وسيشعر وقتذاك أن سماواتٍ سبعًا سَتنهال فوق جسده".

لأوّل مرّة في تاريخ البشريّة سيخرجُ النّور من باطن الأرض.

أتدرين؟ أشعرُ أنّي أتنفس تراب الحريّة لا هواءَها، لا أحد تذوَّق من ذي قبلٍ تُراب الحريَّة بهذا المذاق الذي يسري في شراييني الآن!.

للتراب أشكال؛ هناك تراب الوطن المخضّب بدماء الأبطال، وتُراب البارود الذي يخرج من بنادقهم، وتُراب العزّة والإباء الذي يُنثرُ في وجوه الأعداء وتعميَهم عنَّا.

لكن هذا أجملُ تُرابٍ فاضَ من بين أناملي، إنّه تُراب الحريّة يا عزيزتي.

رُغم عتمة الليل، إلّا أنني أرى الشمسَ تصفعُ صفيحة وجهي، والهواءُ العليل يجعلني أترنَّح بنخبِ الوطن، آخذُ نفَسَ حُريّة

                     حُ

                          ر

                              ر

                                  ي

                                       ي

                                            ة

 

وأزفرُ السِّجنَ

                   وألعنُ السَّجان.

 

ها أنذا ألوّح بيدٍ من حديد، وأخترقُ سِجنًا من طين.تعلو هامَتي من نفق الحريّة، وأحرِق سجَّانًا هشًّا، أوْهن من بيت العنكبوت.

أمضي في ملكوت الله فوق الأرض، بجناحٍ مجبورٍ بعد أن كان مهيضًا، لا أتلكأُ في الكلام، أضحك بصوتٍ عالٍ كي يسمعني القاصي والدّاني، وأطرح التّعب جانبًا بقطراتٍ من ماء مساجدنا. أخرج إلى الشّرفة، وألوّح بيدي إلى كل النّاس، أنا زكريّا، أحييكم من منبر الحريّة….

 

يا زكريّا، إنّا نبشّرُكَ بغلامٍ اسمهُ "نَصر".

 

يا زكريّا، خُذِ السّلاح بقوّة وامضِ، فلا كَبا بِكَ الفَرس.