20 سبتمبر 2021

لقاء السيسي بينت

لقاء السيسي بينت

ماجد عزام

 

إذا كان من عنوان مناسب للقاء الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، ورئيس الوزراء الإسرائيلي، نفتالي بينت، في شرم الشيخ 13 سبتمبر/أيلول الحالي، أقله من وجهة النظر المصرية، فهو الطريق إلى واشنطن يمر بتل أبيب وغزة أيضاً. وقد لخّص الجنرال السيسي العنوان بنفسه، عندما طلب دعم المجتمع الدولي للوساطة المصرية بين إسرائيل والفلسطينيين التي يستغلها نفتالي بينت بانتهازية، لتمرير مخطّطه لتقليص الصراع، لا الاحتلال في فلسطين، والذي أطّره، أو للدقة، وضع له رئيس الوزراء البديل وزير الخارجية، يئير لبيد، اسماً حركياً وسياسياً ودبلوماسياً برّاقاً هو "الاقتصاد مقابل الأمن".

خشي الرئيس المصري، ولا يزال، من ردّة فعل قوية من الإدارة الأميركية بسبب سجله السيئ في حقوق الإنسان وقمعه المعارضين والنشطاء من مختلف الاتجاهات السياسية، واعتقاله عشرات الآلاف وقتل آلاف آخرين خارج ساحات القضاء، على علاّتها، كما قال تقرير منظمة هيومان رايتس ووتش الأسبوع الماضي. وهو الذي تصبّب عرقاً شهوراً انتظاراً لاتصال هاتفي من الرئيس الأميركي الجديد، جو بايدن، لكنه تلقّى اتصالين لا واحدا في مايو/أيار الماضي في أثناء معركة سيف القدس بين المقاومة الفلسطينية وإسرائيل، وكان العنوان دعم الوساطة المصرية للتهدئة في غزة من أجل تخليص الإدارة الأميركية المستنزفة والمرهقة، على الرغم من عمرها القصير، من أعباء القضية الفلسطينية ومفاجآتها.

تبدو إدارة بايدن مقتنعة تماماً بحلّ الدولتين في فلسطين، ولو من باب إنقاذ إسرائيل من نفسها، كما يحلو لأصدقائها الأميركيين القول، ومنهم بايدن نفسه، إلا أن الإدارة لا تستطيع الخوض في الملف أو طرح وساطات ومبادرات أو حتى تعيين مبعوث خاص إلى المنطقة، لأولويات أخرى على جبهات متعددة وفق قاعدة أو معادلة 3c china corona climate، أي الصين وكورونا والمناخ.

في السياق نفسه، نجحت حكومة بينت - لبيد في إقناع إدارة بايدن بعدم التدخل الجدّي، أو عرض مبادرة سياسية لتحريك عملية التسوية والمفاوضات مع الفلسطينيين، بسبب هشاشة الحكومة الجديدة، وتعدّد مكوناتها السياسية واختلافها، والاكتفاء في المقابل بخطوات سياسية واقتصادية وأمنية لدعم السلطة في الضفة الغربية، والتهدئة وإدخال مساعدات إنسانية إلى غزة، لإبقاء الباب مفتوحاً، ولو نظرياً، أمام هدنةٍ طويلة، وإعادة إعمار واسعة فيها، كما احتمال استئناف المفاوضات وعملية التسوية حول اتفاق نهائي وفق حلّ الدولتين.

هذا هو بالضبط مضمون مخطط بينت لتقليص الصراع، وهو اسم محدّث للسلام الاقتصادي، أو ما يطلق عليه شخصياً "سلام السوبر ماركت"، أي تبضُّع الفلسطينيين والمستوطنين من المكان نفسه، وإدارة الصراع معهم بهدوء، وبأقل ثمن ممكن إسرائيلياً، باعتبار الصراع غير قابل للحل، وفق رؤية اليمين المتطرّف الذي ينتمي إليه بينت. بينما لبيد المقتنع نظرياً بحلّ الدولتين يدّعي، في المقابل، أن الظروف الآنية غير مواتية له تماماً، لا إسرائيلياً ولا فلسطينياً. في الحالتين، تبدو الوساطة المصرية ضروريةً بين الجانبين. وحسب تعبير لبيد الحرفي، بدون انخراط الشركاء المصريين في الوساطة لا فرصة لتمرير مخطّط تقليص الصراع، أو الاسم الحركي له "الاقتصاد مقابل الأمن" الذي ابتدعه شخصياً تجاه الفلسطينيين بشكل عام، وفي غزة بشكل خاص.

في أثناء لقائه بينت، وفي شرحه الوساطة المصرية المطلوب من المجتمع الدولي دعمها، تحدّث السيسي صراحة عن التهدئة وإعادة الإعمار، حيث قال إنه يرى أهمية قصوى في دعم المجتمع الدولي جهود مصر لإعادة الإعمار في المناطق الفلسطينية، وضرورة الحفاظ على التهدئة بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي. وعندما يتحدّث الرئيس المصري عن المجتمع الدولي يقصد أميركا أساساً، باعتبار دعم الدول المؤثرة الأخرى، خصوصا الأوروبية منها، بمثابة تحصيل حاصل في حال تأمين الدعم الأميركي.

هذا فيما يخص الشقّ أو المسار المتعلق بغزة من معادلة الطريق إلى واشنطن. أما الشقّ الثنائي، المصري الإسرائيلي المباشر، فيتضمن تفاهمات سياسية واقتصادية وأمنية للعلاقات بين الجانبين، كما قال بينت في شرم الشيخ. بينما كان لافتاً لقاء رئيس المخابرات، عباس كامل، بوزيرة الاقتصاد الإسرائيلية، أورنا باربيفاي، في أثناء زيارته أخيرا تل أبيب في الشهر الماضي (أغسطس/آب)، إضافة إلى لقاءاته السياسية والأمنية مع نظرائه الإسرائيليين، بما في ذلك طبعاً رئيس الوزراء ووزيرا الخارجية والدفاع.

بناء عليه، جرى في لقاء السيسي - بينت في شرم الشيخ نقاش بشأن المنطقة بكاملها من اليمن والخليج العربي شرقاً إلى ما وصف بالتدخل التركي في ليبيا غرباً، علماً أن العلاقات الثنائية تُدار بمنطق أمني وعسكري صرف. لذلك رأينا حضورا طاغيا للجنرالات من الجانبين، السيسي وكامل مقابل بينت ومستشاره العسكري أفي جيل ورئيس مجلس الأمن القومي أيال حولتا، والجنرال المختص بشؤون الأسرى والمفقودين يارون بلوم، مع حضور دبلوماسي شكلي يتولى تنفيذ ما يتفق عليه العسكر، مع الانتباه طبعاً إلى أن إسرائيل دولة الجيش، بينما السيسي يحكم مصر بمنطق عسكري بحت، معتمداً على الجنرالات في مختلف المجالات المدنية والاقتصادية والاجتماعية وحتى الإعلامية.

في الدمج بين مساري الطريق إلى واشنطن اللذين يمرّان بتل أبيب وغزة أيضاً، طلب السيسي دعم رئيس الوزراء الإسرائيلي استمرار المساعدات الأميركية المالية، وتخفيف الضغط على النظام في ملف حقوق الإنسان، كما طلب دعماً إسرائيلياً في ملف سد النهضة، واستخدام تل أبيب نفوذها أو تأثيرها لحثّ الإدارة الأميركية على التحرّك والضغط على إثيوبيا من أجل التوصل إلى تسويةٍ مقبولةٍ مع مصر والسودان.

أما الثمن المصري فسيدفع عبر المسار الفلسطيني - الغزاوي، حيث ضبط المعابر لمنع إدخال مواد مزدوجة الاستخدام لحركة حماس، ومنع التهريب الذي يخدم سيرورة تسلّحها وتطوير ترسانتها العسكرية في غزة، والضغط على الحركة لخفض السقف في صفقةٍ محتملةٍ لتبادل الأسرى، ما يكفل الذهاب إلى تهدئة طويلة الأمد، وإعادة إعمار ضمن منطق تقليص الصراع ومعادلة الاقتصاد مقابل الأمن.

يجب الانتباه إلى أن واشنطن تفكّر أصلاً في إعطاء دور مهم لتل أيبب في ملف سد النهضة بدعم كامل منها، لتوسيع التنسيق وتقوية العلاقة مع القاهرة، وزيادة حضور الأخيرة في القضية الفلسطينية تحت السقف الأميركي الإسرائيلي، بمنطق القيادة من الخلف الذي ابتدعه الرئيس الديموقراطي السابق، باراك أوباما، كجزء من سيرورة الانكفاء عن المنطقة وأزماتها.

من هذه الزاوية، تضرب الإدارة الأميركية عدة عصافير بحجر واحد، فمن ناحية تنأى بنفسها عن المنطقة. ومن ناحية أخرى، تطمئن إلى عدم انفجار بؤر التوتر الإقليمية الساخنة في وجهها. كما حصل في أثناء هبّة القدس ومعركة سيفها في مايو/ أيار الماضي، وكما قد يحدُث الصيف المقبل في ملف سدّ النهضة عند حلول موعد الملء الثالث له.

في الأخير وباختصار، أظهر اللقاء العلني بين الرئيس المصري ورئيس الوزراء الإسرائيلي، ولأول مرة منذ عشر سنوات، ورفع العلم الإسرائيلي خلاله، وهو ما لم يحدث في آخر لقاءات حسني مبارك وبنيامين نتنياهو، في يناير/كانون الثاني 2011، عمق العلاقات ومتانتها والبوح علناً بجوانبها المتعدّدة، وتجاوز البعد الأمني، مثلما كان الحال زمن مبارك وإسرائيل التي فهمت صعوبة الاستغناء عن الدور المصري فلسطينياً، بعد عجز الإمارات أو فشلها في القيام بذلك، تحاول استغلال حاجة نظام الجنرال السيسي لها إلى أبعد مدى، علماً أن هذا الأخير كما "الأنظمة الاستبدادية" يبحث عن دعم خارجي لتعويض الدعم الداخلي المتآكل، والمتراجع يوماً بعد يوم.