22 سبتمبر 2021

كتيبة جنين والدور الطليعي

كتيبة جنين والدور الطليعي

راغدة عسيران

 

في كتابه الصادر حديثا عن مؤسسة “مهجة القدس” بعنوان “على درب الحلبي” يروي الأسير طارق يحيى، من بلدة عرقة، غرب جنين، بالضفة الغربية المحتلة، رحلته الجهادية وتنفيذه عملية طعن في بداية انتفاضة القدس (تشرين الأول/اكتوبر 2015) التي فجّرها الشهيد المجاهد مهنّد الحلبي، ابن الرابطة الإسلامية – الإطار الطلابي التابع لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، عندما طعن جنود الاحتلال في شوارع القدس وأطلق النار عليهم.

بعد عدة أيام، في 8/10/2015، ومع تصاعد وتيرة عمليات الطعن والدهس، واستشهاد المجاهدات والمجاهدين واعتقال العشرات من أبناء الضفة الغربية وتصاعد عمليات التفتيش والقمع الصهيونية، قرّر المجاهد طارق يحيى (16 عاما في ذلك الوقت) القيام بواجبه الوطني والديني والأخلاقي، أي الإنساني. فتوجّه الى مدينة العفولة، دون الإفصاح عن نيّته لأي شخص من أقربائه أو أصدقائه، وبحث عن هدف، فوجده في جندي، فقام بطعنه قبل أن يهجم عليه المستوطنون لضربه وقتله.

بعد أقل من ست سنوات على العملية البطولية التي نفذها المجاهد مهنّد الحلبي في مدينة القدس، والتي فجرّت الغضب الكامن في نفوس الفلسطينيين، الذين تنافسوا على تنفيذ أصناف من العمليات ضد المحتلين الصهاينة، نفّذت “كتيبة جنين – كتيبة الحرية” عملية الهروب من سجن جلبوع المحصّن كالخزنة، بقيادة المجاهد محمود العارضة، القيادي في حركة الجهاد الإسلامي.

ما يجمع بين عملية الشهيد مهّند الحلبي وعملية “كتيبة الحرية”، هو التنفيذ “في لحظة سكون تتخطفها ارتجافات كثيرة”، واستجابة الشعب الفلسطيني وأحرار العالم لها، “فانتفض الشعب الفلسطيني قويا وفتيا”، كما صرّح القائد المجاهد زياد النخالة، أمين عام حركة الجهاد الإسلامي، في رسالته الموجّهة الى أسرى كتيبة الحرية بعد إعادة اعتقالهم من قبل الاحتلال.

ما يجمعهما أيضا، هو دور الطليعة المؤمنة بحقها، في تفجير الساحة في وجه العدو المحتل لأرض فلسطين، كما فجّر 6 أسرى من حركة الجهاد الإسلامي، بقيادة الشهيد مصباح الصوري، الانتفاضة قبل 34 عاما، بعملية الهروب الكبير من سجن غزة المركزي. لم يكن هذا التفجير مباشرا، بل كانت ارتداداته على معنويات الشعب الفلسطيني كبيرة وحاسمة، لأنها منحته القوة المعنوية والثقة بنفسه واليقين بامكانية ضرب الصهاينة وضرورة التخلص منهم. وكذلك، فجّر الشيخ خضر عدنان السجون في العام 2011 معركة الأمعاء الخاوية، عندما باشر في معركة الكرامة، رفضا للاعتقال الإداري.

كان مهند مثال المغوار البطل الذي صنع المعجزات، وهو لا يملك من الإمكانيات سوى الإيمان العميق بعدالة القضية.. معجزة هزت كيان الاحتلال وأحيت لدى الأمة الأمل من جديد”.. بهذه الكلمات، يصف الاسير طارق يحيى الشهيد مهند الحلبي وعمليته الجريئة، التي فجّرت انتفاضة القدس. قد تنطبق هذه السطور على عملية “انتزاع الحرية” التي نفذتها “كتبية جنين” قبل أيام، والتي لم تنته ارتداداتها بعد، رغم إعادة اعتقال أبطالها.

من يقرأ الدوافع التي جعلت الأسير طارق يحيى، هذا الفتى الناجح، ابن ال16 عاما، من تنفيذ عملية طعن في العام 2015، لا يمكن أن يستبعد تأثير عملية “كتيبة جنين” على تفجير الغضب الفلسطيني أو الانتفاضة في وجه كيان العدو، بسبب توفّر الأجواء النضالية، رغم وجود السلطة الفلسطينية التي حققت بعض النجاح في صناعة “الفلسطيني الجديد” لدى شريحة من المجتمع، كما أشار اليه بعض الصحافيين المتابعين للوضع في الضفة الغربية.

ما دفع الفتى طارق يحيى، الذي لم يكن منتميا الى أي تنظيم مقاوم، من تنفيذ عمليته الجهادية، هو شعور العزة والفرح من جهة بسبب تنفيذ العملية ضد الصهاينة القتلة، ومن جهة أخرى، شعور الغضب وواجب الانتقام لكل الشهداء الذين ارتقوا منذ بداية زرع هذا الكيان الإجرامي، الذي ولّده القمع الوحشي والقتل والاعتقال والتدمير الممنهج. حينها، يستعيد المناضلون تاريخ شعبهم المجيد ويتذكرون الأبطال الشهداء والأسرى، ويقرّرون السير قدما من أجل حرية شعبهم وأمتهم.

يكتب الأسير طارق يحيى: “أن الضغط لا يصنع فينا إلا قابلية الانفجار، والظلم الواسع والقهر المستمر يرفع من مستوى وعينا وينمّي في قلوبنا روح التضحية والمقاومة… لا يولّد فينا سوى مهنّد الحلبي… قد زلزني مهنّد كما زلزل أصحاب الضمير الحي”.

واليوم، زلزلت “كتيبة جنين” – كتيبة الحرية الشعب الفلسطيني وأصحاب الضمير الحيّ في العالم، لأنها ضربت الأمن الصهيوني عميقا وأظهرت فشل كل اجراءاته القمعية، لا سيما وأنها حصلت بعد معركة “سيف القدس” المباركة ببضعة أشهر،.يحاول الكيان تصوير نفسه بأنه سيطر على الوضع، لكن لم يسلم بعد من تداعيات العملية الفذة، كما أكّد أكثر من محلّل صهيوني.

من ناحية أخرى، كل ضربة يتلقاها العدو تنعش الهمم والإرادة لدى الشعوب المظلومة. إضافة الى الهزة التي أحدثتها بالكيان، أنعشت عملية “انتزاع الحرية” إرادة التصدي والقتال لدى الشعب الفلسطيني كونها اختصرت “إرادة شعب” ووحّدت “الشعب الفلسطيني بل الأمة وأحرار العالم” خلفها، كما أكّد القائد زياد النخالة.

لقد انعشت عملية “انتزاع الحرية” المقاومة في منطقة جنين، حيث يواصل شبانها الغارات و”الإرباك الليلي” على حاجز الجلمة، وحيث تشكّلت الغرفة المشتركة لفصائل المقاومة، بعد التهديد الصهيوني باجتياح المخيم والمدينة، وذلك قبل العملية البطولية ببضعة أيام. وأنعشت المقاومة في بيتا والخليل والقدس، من خلال التفاعل مع عملية الأحرار والتصدي لاقتحامات العدو، فكانت عنوان التصدي في كل فلسطين، في الناصرة وحيفا وأم الفحم، كما في قطاع غزة.

رغم إعادة أبطال كتيبة جنين الى الاعتقال وتمثيلية محاكمتهم، تبقى رحلة الحرية التي نفذوها وتصريحاتهم المعبرة عن انسانيتهم ووعيهم وشعورهم بالمسؤولية، وعن حبهم لفلسطين، أرضها وثمارها، أقوى تأثيرا وأهم من كل التحليلات الصادرة عن الإعلام الصهيوني والتابع له، التي تسعى الى تشتيت الحدث وتفريغه من مضمونه من خلال التركيز على التفاصيل.

لكن لم تنته بعد عملية أبطال كتيبة جنين، بسبب القمع الصهيوني الوحشي ضد الأسرى داخل السجون، الذي رافق عمليات البحث عنهم، ومواصلة الاستفراد بأسرى حركة الجهاد الإسلامي، وتعذيبهم والتنكيل بهم وتشتيتهم بين السجون والأقسام وعزل 12 أسيرا قياديا منهم، بنيّة الانتقام منهم ومن حركتهم المجاهدة.

لقد فتح العدو معركة جديدة، حيث يواجه أسرى الحركة “بكل بسالة واقتدار” الكيان ومصلحة السجون، وقد صمموا على عدم التراجع أمام السجانين قبل “العودة الى ما كانت عليه أوضاعهم الى ما قبل 6/9/2020” (من رسالة أسرى الجهاد الإسلامي في سجون الاحتلال),

بالإضافة الى أسرى حركة الجهاد الذين يواصلون التمرد على كافة الإجراءات القمعية من خلال عدم الوقوف في العدد ورفض التشخيص ورفض الفحص الأمني، والمعركة التي يقودها 6 أسرى ضد الاعتقال الإداري، شرع المئات من الأسرى في بعض السجون، الإضراب عن الطعام من أجل كرامتهم الانسانية، ما يعني الانتقال من معركة الى أخرى ضد كيان العدو، عنوانها الأسرى، حريتهم وكرامتهم.

وهذا ما عبّر عنه القائد المجاهد زياد النخالة، قائلا: “قدرنا أن نمضي ونعد لمعركة أخرى، وسنظل نفاجئ العدو في كل وقت وفي كل مكان”، في السجن، كما في جنين، كما في غزة أو أي بقعة أخرى من فلسطين، طالما بقي هذا الكيان الغاصب على أرض فلسطين. وكما كان الحال في أيار/مايو 1987 و2011 وتشرين الأول/اكتوبر 2015، لقد أدى المجاهدون “ما كان ممكنا” وكانوا بذلك “رموزاً للحرية ورموزاً لفلسطين”.